للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أخيه الشام وناب عنه بمدينة دمشق واستوطنها، وولي الخطابة وسقى فننها، ورقى أعواد المنابر وهَزَّ غُصنها، وكان صدر المحافل إذا عقدت، وصير في المسائل إذا انتقدت، وإذا جمعت المجالس كان لسانها، وإذا نظرت المدارس كان إنسانها. وكان خرق اليدين وطلق الكرم وإن كان بالدين، وكان له من سلطاننا نظرة عناية ترمقه، وتكبت به البحر إذا أشبهه تدفقه، وكذلك كانت له من كافل الممالك تنكز حتى اتخذه في حجه رفيقًا، وجعله له إلى الله طريقًا، ثم تنكر له بحره، فكادت تنسفه أمواجه، وتلقيه في مهالكها فجاجه، ودام السلطان له على كرم سجيته وشيم أريحيته، فكتب إلى تنكز في توليته قضاء القضاء بالشام حين خلا منصبه، وتخلى له مخصبه، فأظهر تنكز له المعايب، وأساء محضره وهو غائب، فأصر السلطان على ولايته وصمم، وكمل بادي رأيه فيه وتمم، وطلبه إلى حضرته مكرمًا، وأحمد عنه نار النائرة متضرمًا، وأوفى عنه ما أثقل إصره من الديوان الذي اتخذها ذلك المنكر له عيبًا، وانتهب له غيبًا، ثم قدم دمشق جامعًا بين الخطابة والقضاء، وتصرف في الإنفاق والإمضاء، ثم لم تطل به المدة حتى طلبه السلطان إلى حضرته ثانيًا وولاه بحضرته القضاء، وأظهر به إذا كرهه نائبه الارتضاء، وكان له منه المنزلة الرفيعة، والمكانة التي ما ردت قط شفيعه حتى حدثت هنات وجنيت، نبات، فأعاده إلى الشام على القضاء، فما لبث حتى حل به صرف القضاء.

وكان ممن قدم وحصل جانبًا صالحًا من الفقه واللغة، وعلم المعاني والبيان، وعلم الكلام، واعتنى به وبرع فيه، وأتقن علم الحكمة إتقانًا قل فيه من كان يدانيه، واشتهر بحسن البديهة في المجالس والمدارس ولم يك مقصرًا في شان، ولا ثانيًا من عنان، وتزيد في دمشق إكبابه على الاشتغال وطلب العلم وتحصيله وقراءة الكتب ومطالعتها ومذاكرة العلماء ومباحثتهم.

حكى لي: أنه كان لشدة حرصه يحضر بعض خزائن الكتب المشهورة الموقوفة وكان خازنها لا يرى إخراجها إلى عارية أحد فكان يقنع منه بأن يجلس عنده يومه كله لمطالعة ما يحتاج إليه منها، وأنه دام على هذا سنين كثيرة.

وهو من بيت تقدم أوّلوه، وتصرفوا في القضاء وولوه، وهم من أقرباء القاضي رضي الدين قاضي قزوين المبعوث منها هو وابن صاحب ختن إلى حضرة منكوتمرقان لإحضار طائفة لاقتلاع قلاع الاسماعيلية حين عم ضررهم، واستشرى شرهم، فبعث هولاكو بن تولي فتجاوز الحد وقتل ونسي العد، وكاد يبلغ بخيله أقصى المغرب، وبعث لأمر فجعله طلب ملك لنفسه.

ولما قدم قاضي القضاة إمام الدين أبو حفص عمر قدم معه أخوه جلال الدين

<<  <  ج: ص:  >  >>