فقال: إنما حبس للرجوع عنها، فإن كان قد رجع أفرجنا عنه، فكان ذلك سبب تأخيره في السجن، وكان له ميل إلى محيي الدين بن العربي إلا أنَّ له ردودًا على أهل الإلحاد، وكان يتحدث على حديث أبي هريرة: «كنت سمعه الذي يسمع به»، ويشرحه شرحًا حسنًا ويبينه بيانًا شافيًا، وكان يكتب مليحًا قويًا جاريًا.
قال أبو الصفاء (١): ورأيته يكتب بخطه على ما يقتنيه من الكتب التي فيها مخالفة السنة من اعتزال أو غيره: [من الهزج]
عَرَفتُ الشرَّ لا للشَّرِّ لكن لتوقيه
ومَنْ لا يعرفُ الشرَّ مِنَ الخير يقع فيه
وكان يترسل جيدًا من غير سجع، ويستشهد بالآيات المناسبة والأحاديث والآيات اللائقة بذلك المقام، ومات بورم الدماغ بقي به أحد عشر، ومات في بستان ضمنه، وتأسف الناس لموته أسفًا كثيرًا: [من الكامل]
عَمَّتْ فَضائلُهُ فعمَّ مُصابُهُ … فالناسُ فِيهِ كلُّهُمْ مَأْجُورُ
كتب (٢) إلى ناصر الدين شافع، وقد طلب منه شيئًا من شعره: [من الكامل]
غَمرتني المكارمُ الغُرُّ منكمْ … وتَوَالتْ عليَّ منها فُنُونُ
شَرْطُ إحسانِكُمْ تَحقَّقَ عِندي … ليتَ شِعْري الجزاء كيف يكون
يقبل اليد الشريفة لا زالت للمكارم مستديمة، وفي سبل الخيرات مستقيمة، وينهي أن بضاعة المملوك من كل الفنون مزجاة، لا سيما من الأدب فإنه فيه في أدنى الدرجات، وقد وردت عليه إشارة مولانا حرسه الله تعالى في طلب شيء من الشعر الذي ليس المملوك منه في عير ولا نفير، ولا حظي منه بنقير ولا قطمير (٣)، سوى ما نبذ من الهذيان، الذي لا يصلح لغير الكتمان، ولا يحفظ إلا للنسيان، والمسؤول من فضل مولانا، وكرمه المبذول أن يتم إحسانًا إليه بالستر عليه، فإنه وجميع ما لديه من سقط المتاع، ولا يعار لسقاطته ولا لنفاسته ولا يباع، والله يؤيد مولانا ويسعده، ويحرسه بالملائكة ويعضده.
وكتب إليه وقد وقف على كتابه الذي سماه «مخالفة المرسوم في حل المنثور والمنظوم»: [من الطويل]
مخالفة المرسوم وافقت المُنَى … وحازت مِنَ الإحسانِ حَصْل المفاضل
(١) أعيان العصر ٣/ ٢٩١.
(٢) أعيان العصر ٣/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٣) القطمير: القشرة الخفيفة بين النواة والتمرة.