الفضلاء، وطمى مدد الفضل في ذلك الفضاء، وتزاحمت الملوك على خطبته، واستزارته من خطته، وهو بذروة ذلك الجبل ممتنع، وبيسير ذلك البلل مقتنع، ودأبه في زيادة علوم وإفادة خصوص وعموم، وأيامه بالفضائل مشحونة، ولياليه من الرذائل مصونة، ثم أتاه أجله، وحلَّ عليه من دين النعاء مؤجله، فاتصلت تلك الروح الزكية بعالمها، وخلصت من ظلم الدنيا ومظالمها.
قال ابن أبي أصيبعة (١): هو إمام العلماء، وسيد الحكماء، قدوة الأنام، شرف الإسلام. تميز في العلوم الحكمية، وحرر الأصول الطبية، وأتقن الأحكام الشرعية ولم يزل دائم الاشتغال، جامعًا للفضل والإفضال. وكان شيخه الإمام فخر الدين بن خطيب الري وهو من أجل تلامذته. ومن حين وصل الشام اتصل بخدمة الملك الناصر داود بن المعظم، وأقام عنده بالكرك، وكان عظيم المنزلة عنده وله من الإحسان الغزير والإنعام الكثير. ثم أتي دمشق وتوفي بها في شوال سنة اثنتين وخمسين وستمائة. ودفن بجبل قاسيون.
قال: رأيته يومًا وقد أتاه بعض فقهاء العجم بكتاب دقيق الخط ثمن البغدادي، معتزلي القطع. فلما نظر فيه صار يقبله ويضعه على رأسه، فسألته عن ذلك فقال: هذا خط شيخنا الإمام فخر الدين بن الخطيب ﵀.
قلت: ولما كان الشيخ شمس الدين الخسروشاهي عند الملك الناصر داود بالكرك، كان جدي الصاحب جمال الدين أبو المآثر فضل الله وزيرًا عنده، واتحدت له صحبة بالشيخ، فأخذ معه ولده عمي الصاحب شرف الدين أبا محمد عبد الوهاب ﵀ وقدمه للشيخ، وقال: هذا ولدي وأعز ما أقدر عليه، وقد قدمته لك، فقبله منه قبولًا حسنًا، وأقرأه «الأربعين في أصول الدين»، وانتفع به. ثم لما أتى الأمير الكبير الكافل جمال الدين أبو الفتح موسى بن يغمور لزيارة الشيخ طلب منه عمي أن يكون عنده فآثره به، ثم اتصل بالملك الصالح أيوب بسببه على ما ذكرت ذلك في ترجمة عمي في «فواضل السمر».
ورثى الخسروشاهي جماعة منهم العز الضرير منها:[من الطويل]
أصابَ العُلا شمس العُلا عندما استوت … وأودى ببدر الفضل والبدر كامل
فتًى بَنَّ كلَّ العالمين بصمته … فكيف إذا وافيته وهو قائل