بقلبي ويملأ عيني، ويحل ما يشكل عليّ، حتى دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي، لكن وجدت الكمال بن يونس جيدًا في الرياضيات والفقه متطرفًا في باقي أجزاء الحكمة، قد استغرق عقله وحسه حسرة الكيمياء وعملها، حتى صار يستخف ما عداها.
واجتمع إلي جماعة كثيرة، وعُرضت عليَّ مناصب فاخترت منها مدرسة ابن مهاجر المعلقة ودار الحديث التي تحتها. وأقمت بالموصل سنة كاملة في اشتغال دائم متواصل ليلًا ونهارًا، وزعم أهل الموصل أنهم لم يروا أحدًا من قبلي مثل ما رأوا مني في سعة المحفوظ، وسرعة الخاطر وسكون الطائر، وسمعت الناس يلهجون في حديث الشهاب السهروردي المتفلسف، ويعتقدون أنه قد فاق الأولين والآخرين، وأن تصانيفه فوق تصانيف القدماء، فهممت لقصده، ثم أدركني التوفيق، وطلبت من ابن يونس شيئًا من تصانيفه، وكان أيضًا معتقدًا عليه فوقفت على التلويحات، واللمحة، والمعارج، فصادفت فيها ما يدل على جهل أهل الزمان، ووجدت لي تعاليق كثيرة لا أرتضيها هي خير من كلام هذا الأول. وفي أثناء كلامه يثبت حروفًا مقطعة يوهم بها أمثاله أنها من أسرار إلهية.
قال: ولما دخلت إلى دمشق، وجدت فيها من أعيان بغداد والبلاد ممن جمعهم الإحسان الصلاحي، جمعًا كثيرًا، منهم: جمال الدين عبد اللطيف ولد الشيخ أبي النجيب، وجماعة بقيت من بيت رئيس الرؤساء، وابن طلحة الكاتب، وبيت ابن جهير، وابن العطار المقتول الوزير، واجتمعت بالكندي البغدادي النحوي، وجرى بيننا مباحثات، وكان شيخًا ذكيًا مثريًا، له جانب من السلطان، لكنه كان معجبًا بنفسه مؤذيًا لجليسه، جرت بيننا مباحثات فأظهرني الله عليه في مسائل كثيرة. ثم أني أهملت جانبه، فكان يتأذى بإهمالي له أكثر ما يتأذى به الناس منه.
وعملت بدمشق تصانيف جمة منها: غريب الحديث الكبير، جمعت فيه غريب أبي عبيد القاسم بن سلام، وغريب ابن قتيبة، وغريب الخطابي، وكنت ابتدأته بالموصل، وعملت له مختصرًا سميته المجرد، وعملت كتاب الواضحة في إعراب الفاتحة نحو عشرين كراسًا، وكتاب الألف واللام، وكتاب رُبَّ، وكتابًا في الصفات الذاتية الجارية على ألسنة المتكلمين. وقصدت بهذه المسألة الرد على الكندي، ووجدت بدمشق الشيخ عبد الله بن بابلي نازلًا بالمأذنة الغربية، وقد عكف عليه جماعة، وتحدث الناس فيه له وعليه، وكان الخطيب الدولعي عليه، وكان من الأعيان له منزلة وناموس. ثم خلط ابن بابلي على نفسه فأعان عدوه عليه، وصار يتكلم في الكيمياء والفلسفة، وكثر التشنيع عليه. واجتمعت به وصار يسألني عن أعمال اعتقد أنها خسيسة