للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اللهو واللعب، وأكثر زماني مصروف في سماع الحديث، وأخذت لي إجازات من مشايخ بغداد وخراسان والشام ومصر. وقال لي والدي يومًا: قد سمعتك جميع عوالي بغداد. وكنت في أثناء ذلك أتعلم الخط، وأحفظ القرآن والفصيح، والمقامات، وديوان المتنبي ونحو ذلك، ومختصرًا في الفقه، ومختصرًا في النحو. فلما ترعرعت حملني والدي إلى كمال الدين عبد الرحيم الأنباري، وكان يومئذ شيخ بغداد، وله بوالدي صحبة قديمة أيام التفقه بالنظامية. فقرأت عليه خطبة الفصيح فهذي كلامًا كثيرًا متتابعًا فلم أفهم منه شيئًا، لكن التلاميذ حوله تعجبوا منه. ثم قال: أنا أجفو عن تعليم الصبيان احمله إلى تلميذي الوجيه [يقرأ عليه فإذا توسطت حاله قرأ علي. وكان الوجيه] عند بعض أولاد رئيس الرؤساء، وكان رجلًا أعمى من أهل الثروة والمروءة. فأخذني بكلتي يديه، وجعل يعلمني من أول النهار إلى آخره بوجوه كثيرة من التلطف، وكنت أحضر بحلقته بمسجد الظفرية، ويجعل جميع الشروحات لي ويخاطبني بها. وفي آخر الأمر أقرأ درسي ويخصني بشرحه. ثم نخرج من المسجد فيذاكرني في الطريق، فإذا بلغنا منزله أخرج الكتب التي يشتغل بها مع نفسه فأحفظه وأحفظ معه، ثم يذهب إلى الشيخ كمال الدين، فيقرأ درسه ويشرح له، وأنا أسمع. وتخرجت إلى أن صرت أسبقه في الحفظ والفهم، وأصرف أكثر الليل في الحفظ والتكرار، وأقمنا على ذلك برهة، كلما جاء حفظي كثر وزاد، وفهمي قوي واستثار، وذهني احتد واستقام، وأنا ألازم الشيخ وشيخ الشيخ. وأول ما بدأت حفظت اللمع في ثمانية أشهر، أسمع كل يوم شرح أكثرها مما يقرؤه غيري، وانقلب إلى بيتي فأطالع شرح الفارسي، وشرح الشريف عمر بن حمزة، وشرح ابن برهان، وكل ما أجد من شروحها. وأشرحها لتلاميذ بحضوري إلى أن صرت أتكلم على باب باب كراريس، ولا ينفد ما عندي. وحفظت أدب الكاتب لابن قتيبة حفظًا متقنًا. أما النصف الأول ففي شهور. وأما تقويم اللسان ففي أربعة عشر يومًا؛ لأنه كان أربع عشرة كراسة. ثم حفظت مشكل القرآن وغريب القرآن له، وكان ذلك في مدة يسيرة. ثم انتقلت إلى الإيضاح لأبي علي الفارسي فحفظته في شهور كثيرة، ولازمت شروحه، وتتبعته التتبع التام، وتبحرت فيه وجمعت ما قال الشراح. وأما التكملة فحفظتها في أيام يسيرة كل يوم كراسًا، وطالعت الكتب المبسوطة والمختصرات وواظبت على المقتضب للمبرد وكتاب ابن درستويه. في أثناء ذلك لا أغفل عن سماع الحديث والتفقه على شيخنا ابن فضلان بدار الذهب، وهي مدرسة معلقة بناها فخر الدولة بن المطلب.

قال: وللشيخ كمال الدين مائة وثلاثون تصنيفًا، أكثرها في النحو وبعضها في

<<  <  ج: ص:  >  >>