منكبيه خلعها، واستردت منه أيام عواريها وردت إليه سهام عواديها، وقلبت له ظهر مجنّها، ودهر أمنها، فنابته نوائبها، وأصابته صوائبها، وأخذ فيها من حيث ظنَّ أنَّها سالمته، وقد اغتر بأنّها في زخرفها ساهمته، وخدعته بغرورها، وما عرف أنها أوهمته. سكن إليها، وهي التي لا يسكن إليها ذو حجى واطمأن بها، وكيف يطمئن خابط في الدجى.
سكن بجاية وقت الفتنة التي زالت فيها الدولة اللمتونية، فنشر بها علمه، وصنف التصانيف واشتهر اسمه، وبعد صيته وسعد قسمه، وولي خطابة بجابة.
ذكره أبو عبد الله الأبار، فقال: كان فقيهًا، حافظًا، عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع، ولزوم السنة، والتقلل من الدنيا، مشاركًا في الأدب، وقول الشعر، وصنّف في «الأحكام» نسختين كبرى وصغرى. سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن أبي مروان الشهيد بلبلة، فحظي عبد الحق دونه.
وله في الجمع بين الصحيحين مصنّف، وله أيضًا مصنف كبير جمع فيه بين الكتب الستة، وله مصنفات أخرى منها كتاب في اللغة حافل، ضاهي به كتاب «الغريبين» للهروي.
وتوفي ببجاية بعد محنة نالته من قبل الدولة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.