وسمع بمكة من ابن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم.
وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك، وملازمته له، وكان مالك يسمّيه عاقل الأندلس، وكان سبب ذلك فيما روي أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلّهم؛ لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك لا تخرج تراه؛ لأنه لا يكون بالأندلس؟، فقال: أنا جئت من بلدي؛ لأنظر إليك، وأتعلم منك هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك، وسماه عاقل الأندلس.
ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس، وانتهت إليه الرئاسة بها، وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد، وتفقه به جماعة لا يحصون عددًا، وروى عنه خلق كثير، وأشهر روايات الموطأ وأحسنها روايته.
وكان مع إمامته ودينه معظمًا عند الأمراء مكينًا، عفيفًا عن الولايات، متنزهًا، جلت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدرًا من القضاة عند ولاة الأمر هناك؛ لزهده في القضاء، وامتناعه منه.
قال ابن حزم مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة؛ فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قبله، فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه ومن انتمى إلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان، مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه، ومن كان على مذهبه. والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ أغراضهم به على أن يحيى بن يحيى لم يل القضاء قط ولا أجاب. وكان ذلك زائدًا في جلالته عندهم، وداعيًا إلى قبول رأيه لديهم.
وقال أحمد بن أبي الفياض: كتب الأمير عبد الرحمن بن الحكم المرتضى - صاحب الأندلس - إلى الفقهاء يستدعيهم إليه، فأتوا إلى القصر. وكان عبد الرحمن المذكور قد نظر في شهر رمضان إلى جارية له كان يحبها حبًّا شديدًا، فعبث بها، ولم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم ندمًا شديدًا، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: يكفر ذلك بصوم شهرين متتابعين؛ فلما بدر يحيى إلى هذه الفتيا، سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقال بعضهم لبعض،