فما به حاجة إلى التعريف، والمشهود فضله نورًا يشف في زجاج التصنيف، الأصبهاني الذي ما تنوّر البصائر إلا بكحل مداده، ولا يجلو بياض العين أنفع من كحل سواده، وزنت به الجبال فرجح على سؤددها، وازَّيَّنَتْ به أصفهان، وليس سوى سيادته صيت إثمدها. رحل عن بلده أصفهان ثم عاد إليها مُشرّفًا مدينته لمدينتها، مشرفًا أسوارها لحمايتها به ولزينتها، فحلَّ بها حيث يأوي الأسد من الغيل، وأقام يدوس لممها، وغيره يتمنّى أن يكتحل من ترابها بميل.
ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة بأصبهان. وكان إمام عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث وعلمه تواليف مفيدة، وصنّف كتاب «المغيث» في مجلد كمل به كتاب «الغريبين» للهروي، واستدرك عليه، وله مصنفات أُخر ورحل عن أصبهان في طلب الحديث، ثم رجع إليها وأقام بها، وانتهى إليه التقدم في هذا الشأن في علو الإسناد، والمعرفة التامة، والرواية الواسعة.
قال الدبيثي: عاش أبو موسى المديني، حتى صار أوحد وقته، وشيخ زمانه إسنادًا وحفظًا.
وقال عبد القادر: حصل من المسموعات بأصبهان ما لم يتحصل لأحد في زمانه، وانضم إلى ذلك الحفظ والإتقان، وله شيء يسير يتربح به وينفق منه، ولا يقبل من أحد شيئًا قط، أوصى إليه غير واحد بمال فرده، فيقال له: فرقه على من ترى، فيمتنع. وكان فيه من التواضع بحيث إنه يقرئ الصغير والكبير، ويرشد المبتدئ. رأيته يحفظ الصبيان القرآن في الألواح، ويمنع من يمشي معه. فعلت ذلك مرة فزجرني، وتردّدت إليه نحوًا من سنة ونصف، فما رأيتُ منه، ولا سمعتُ عنه سقطة تعاب عليه. وكان أبو مسعود كوتاه يقول: أبو موسى كنز مخفي.
وقال الحسين بن يوحنا الباوري: كنتُ في مدينة الخان، فسألني سائل عن رؤيا. قال: رأيتُ رسول الله ﷺ قد توفي فقلت: إن صدقت رؤياك، يموت إمام لا نظير له في زمانه، فإنَّ مثل هذا الإمام رئي حال وفاة الشافعي والثوري وأحمد، فما أمسينا حتى جاءنا الخبر بوفاة الحافظ أبي موسى.
وكانت وفاته ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بأصبهان.
قال عبد الله بن محمد الخُجَنْدي: لما مات أبو موسى، لم يكادوا أن يفرغوا حتى جاء مطر عظيم في الحر الشديد، وكان الماء قليلًا بأصبهان.