ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته.
وسأل الدارقطني يومًا بعض أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه؟
فامتنع من جوابه، وقال: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ (١) فألح عليه، فقال: إن كان في فن واحدٍ فقد رأيتُ أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع في فلا.
وقال الحاكم: صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإمامًا في القراء والنحويين، وأقمت في سنة سبع وستين ببغداد أربعة أشهر وكثر اجتماعنا فصادفته فوق ما وصف لي وسألته عن العلل والشيوخ. وله مصنفات يطول شرحها فأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله.
وقال الخطيب: انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد والاضطلاع من علوم كالقراءات؛ فإنَّ له فيها مصنفًا سبق إلى عقد الأبواب قبل فرش الحروف، وتأسى القراء به بعده، ومن ذلك المعرفة بمذاهب الفقهاء. بلغني أنه درس الفقه على أبي سعيد الأصطخري، ومنها المعرفة بالأدب والشعر، فقيل: كان يحفظ دواوين جماعة.
قال: وحدثني الأزهري، قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فقعد ينسخ، والصفار يملي، فقال رجل: لا يصح سماعك، وأنت تنسخ، فقال: فهمي خلاف فهمك. أتحفظ كم أملى الشيخ؟، قال: لا أدري، قال: أملى ثمانية عشر حديثًا. الحديث الأول عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، والثاني عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، ومر في ذلك حتى أتى على الأحاديث، فتعجب الناس منه أو كما قال.
وقال أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث.
وجاء أبو الحسين البيضاوي إلى الدارقطني برجل غريب، وسأله أن يُمِلي عليه أحاديث، فأملى عليه من حفظه مجلسًا تزيد أحاديثه على العشرين، متون جميعها: نِعْمَ الشيء الهدية أمام الحاجة فانصرف الرجل، ثم جاءه بعد، وقد أهدى له شيئًا، فقر به، وأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثًا متونها «إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه».