للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وخلله، ممن فقه في الدين، وفهق غديره الصافي مما امتلأ للواردين.

زاد على من سبقه وما قصّروا ذكاءًا وفهمًا، وأصاب وما أخطأوا ظنًا ومرمى، وأشبهت فطنته السليمانية فطنة مسماه فوافق المسمى المُسمِّي وما تعداه. لقد أظله وإياهم سحاب تغشاهم رحمته إلا أنهم أخطأهم، وقدح له ولهم زنادًا أراهم ضياءه، لكنه أصابه ما أخطاهم.

ثم قال التثبت؛ إذ سبق الأوائل مهلًا سبقت، وما توانى أولئك أناةً وحلمًا، وقال الفهم حين أصاب الصواب: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١).

كان في الدرجة العالية من النسك والصلاح، طوّف البلاد، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين والمصريين، والجزريين.

وجمع كتاب السنن قديمًا، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده، واستحسنه.

وعده أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب الإمام أحمد. قال إبراهيم الحربي: لما صنّف أبو داود كتاب السنن ألين له الحديث كما أُلِينَ لداود الحديد.

وكان يقول: كتبت عن رسول الله خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني السنن - جمعتُ فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح، وما يشبهه، ويقاربه.

ويكفي الإنسان من ذلك أربعة أحاديث:

أحدها قوله : «الأعمال بالنيات».

والثاني قوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

والثالث قوله: «لا يكون المرء مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه».

والرابع قوله: «الحلال بين والحرام بين».

وجاءه سهل بن عبد الله التستري، فقيل له: يا أبا داود هذا سهل قد جاءك زائرًا، قال: فرحب به وأجلسه فقال: يا أبا داود لي إليك حاجة قال: وما هي؟، قال: حتى تقول قضيتها، قال: أقضيها مع الإمكان، قال: أخرج لسانك الذي حدثت به عن رسول الله حتى أقبله. قال: فأخرج لسانه، فقبله.


(١) سورة الأنبياء: الآية ٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>