للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن دقيق العيد: «الحديث دليل على أنه لا يجوز الحكم إلا بالقانون الشرعي، الذي رتب، وإن غلب على الظن صدق المدعي» (١).

(ولا يمين)؛ أي: ولا يقضى بيمين (حتى يثبت الخلطة أو الظنة) بكسر الظاء التهمة، وتثبت الخلطة بإقرار المدعى عليه أو بشهادة عدلين أو عدل واحد ويحلف المدعي معه، والظنة إنما تكون في حق السارق والغاصب، فالخلطة في المعاملات، والظنة لأهل الغصوبات.

(وكذلك قضى حكام أهل المدينة) وإجماع أهل المدينة حجة، فيخصص به الحديث؛ أي: قوله : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»؛ أي: فإن ظاهر الحديث أن اليمين متوجهة مطلقا، فيخصص بأن يكون بينهما خلطة.

فقد روى مالك في «الموطأ» (٢) عن حميد بن عبد الرحمن المؤذن أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز وهو يقضي بين الناس فإذا جاءه الرجل يدعي على الرجل حقا نظر فإن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف الذي ادعى عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه؛ قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا أنه من ادعى على رجل بدعوى نظر، فإن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف المدعى عليه فإن حلف بطل ذلك الحق عنه، وإن أبى أن يحلف ورد اليمين على المدعي فحلف طالب الحق أخذ حقه. اه.

وإن ذلك من الأقضية المحدثة بقدر ما أحدث الناس من الفجور، وأكد ذلك بقوله: (وقد قال عمر بن عبد العزيز : تحدث للناس أقضية)؛ أي: أحكام مستنبطة بحسب الاجتهاد مما ليس فيه نص (بقدر ما أحدثوا من الفجور) ولا يخفى أن عمر بن عبد العزيز من الأئمة المقتدى بهم قولا وفعلا (٣)، ولا يعارض هذا بقوله: وترك كل ما أحدثه المحدثون، لأن ذلك فيما لم يستند إلى كتاب ولا سنة ولا إجماع.


(١) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٤٧٠).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤٩٩).
(٣) انظر ترجمته الزكية في سير أعلام النبلاء (٥/ ١١٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>