فَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ؛ عَمَدَ هُوَ وَأَخَوَاهُ مُعَوَّذٌ وَخَلَّادٌ وَأَتْرَابٌ لَهُمْ مِنْ غِلْمَانِ بَنِي سَلَمَةَ إِلَى "مَنَاةَ"؛ فَانْتَرَعُوهُ مِنْ مَكَانِهِ فِي هُدُوءٍ.
وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حُفْرَةٍ خَلْفَ الْبُيُوتِ؛ تُرْمَى فِيهَا الْأَقْذَارُ.
وَطَرَحُوهُ فِي أَعْمَاقِهَا أَرْضًا، وَعَادُوا أَدْرَاجَهُمْ (١).
ثُمَّ نَامُوا مَعَ النَّائِمِينَ؛ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَقَعْ …
فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْخُ مَضَى - عَلَى عَادَتِهِ - إِلَى صَنَمِهِ؛ فَلَمْ يَجِدْهُ.
فَاسْتَشَاطَ غَضَبًا (٢)، وَطَفِقَ يَبْحَثُ عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ إِلَى أَنْ وَجَدَهُ؛ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ فِي الْحُفْرَةِ …
فَاسْتَخْرَجَهُ مِنْهَا وَغَسَلَهُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ، وَطَيَّبَهُ بِأَغْلَى الطِّيبِ، وَبَوَّأَهُ (٣) مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ.
* * *
وَكَرَّرَ مُعَاذٌ وَصَحْبُهُ صَنِيعَهُمْ بِالصَّنَمِ مَثْنَى وَثُلَاثَ، وَدَأَبَ الشَّيْخُ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحُفْرَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَغَسْلِهِ وَتَطْيِيبِهِ.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ أَدْرَكَهُ الْمَلَلُ؛ فَرَاحَ إِلَى الصَّنَمِ قَبْلَ مَنَامِهِ، وَأَخَذَ سَيْفًا مَسْنُونًا وَعَلَّقَهُ بِرَقَبَتِهِ، وَقَالَ لَهُ:
يَا "مَنَاةُ"؛ إِنْ كُنْتَ إِلَهًا حَقًّا؛ فَادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَبْغُونَ (٤)
(١) عَادوا أدرَاجهم: رجعوا من حيث أتوا.(٢) فَاستشاط غضبًا: اشتعل غضبًا.(٣) بوّأه: أحلَّه.(٤) يبغون عليك: يعتدون عليك.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute