للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فَلَمَّا وَضَعُوهَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ أَعْرَضَ (١) عَنْهَا وَقَالَ:

هَلْ أَكْرَمْتُمْ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِمِثْلِ مَا تُكْرِمُونَنِي بِهِ؟.

فَقَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَنَا الْيَوْمَ وَسَنَفْعَلُهُ غَدًا.

فَقَالَ: ارْفَعُوهُ؛ فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ …

ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ:

بِئْسَ الْمَرْءُ أَبُو عُبَيْدٍ إِنْ هُوَ صَحِبَ جُنُودَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَانْتَزَعَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْثَرَ (٢) مِنْ دُونِهِمْ بِشَيْءٍ …

لَا وَاللهِ! لَا أكُلُ شَيْئًا مِمَّا أَتَيْتُمْ بِهِ وَلَا مِمَّا أَفَاءَ اللهُ (٣) بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الْغَنَائِمِ؛ إِلَّا مَا يَأْكُلُ أَوْسَطُ جُنْدِيٍّ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَفَعُوهُ.

* * *

جَمَعَ أَبُو عُبَيْدٍ الْغَنَائِمَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةٍ مَا غَنَمِهُ: نَوْعٌ مِنْ فَاخِرِ التَّمْرِ يُدْعَى "النَّرْسِيَانَ" وَذَلِكَ نِسْبَةٌ إِلَى نَرْسِي ابْنِ خَالَةِ الْمَلِكِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِزِرَاعَتِهِ، وَحَظَرَهَا (٤) عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ.

وَكَانَ مَلِكُ فَارِسٍ يَخُصُّ نَفْسَهُ بِهَذَا النَّوْعِ الْفَرِيدِ مِنَ التَّمْرِ؛ فَلَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ وَأُسْرَتُهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُكْرِمَهُ بِهَدِيَّةٍ مِنْهُ.

فَوَزَّعَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى فَلَّاحِي الْفُرْسِ؛ الَّذِينَ كَانُوا يَغْرِسُونَهُ، وَيَجْنُونَهُ (٥)، وَلَا يَذُوقُونَهُ ....

وَبَعَثَ بِخُمْسِهِ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ.


(١) أعرض عنها: صدّ عنها وتركها.
(٢) استأثر: آثر نفسه واختصها بشيء.
(٣) أفاء الله: أعطى ومنح.
(٤) حظرها على غَيْرِه: منعها عن غيره.
(٥) يجنونه: يحصدونه.

<<  <  ج: ص:  >  >>