كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي "سَلَمَةَ"، وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ.
وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ صَنَمًا مِنْ نَفِيسِ الْخَشَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ الْأَشْرَافُ.
وَكَانَ شَيْخُ بَنِي "سَلَمَةَ" يُعْنَى بِصَنَمِهِ هَذَا أَشَدَّ الْعِنَايَةِ فَيُجَلِّلُهُ بِالْحَرِيرِ، وَيُضَمِّخُهُ (١) كُلَّ صَبَاحِ بِالطِّيبِ.
فَقَامَ الْفِتْيَانُ الصِّغَارُ إِلَى صَنَمِهِ تَحْتَ جُنْحِ الظُّلَامِ وَحَمَلُوهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَخَرَجُوا بِهِ إِلَى خَلْفِ مَنَازِلِ بَنِي "سَلَمَةَ"، وَأَلْقَوْهُ فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ تُجْمَعُ فِيهَا الْأَقْذَارُ …
فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْخُ افْتَقَدَ صَنَمَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَبَحَثَ عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى أَلْفَاهُ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ فِي الْحُفْرَةِ غَارِفًا فِي الْأَقْذَارِ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟!.
ثمَّ أَخْرَجَهُ وَغَسَلَهُ، وَطَهَّرَهُ، وَطَيَّبَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانِهِ، وَقَالَ لَهُ: أَيْ "مَنَاهُ" (٢)، وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ مَنْ صَنَعَ بِكَ هَذَا لأَخْرَيْتُهُ …
فَلَمَّا أَمْسَى الشَّيْخُ وَنَامَ تَسَلَّلَ الْفِتْيَةُ إِلَى صَنَمِهِ وَفَعَلُوا بِهِ مَا فَعَلُوهُ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِقَة.
فَمَا زَالَ يَبْحَثُ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي حُفْرَةٍ أُخْرَى مِنْ تِلْكَ الْحُفَرِ …
فَأَخْرَجَهُ وَغَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَعَطَّرَهُ وَتَوَعَّدَ (٣) مَنْ عَدَوْا عَلَيْهِ أَشَدَّ الْوَعِيدِ …
فَلَمَّا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ، وَغَسَلَهُ …
(١) يُضَمِّخه: يَدهنه ويطيِّبه.(٢) أَيْ مَنَاة: يا مناة، وهُوَ اسم صَنَمِه.(٣) تَوَعَّدَه: أنذره بالشَّرِّ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute