غَلِيظَةٍ أَعَدَّهَا لَهُ؛ فَشَجَّ رَأْسَهُ، وَأَسَالَ دَمَهُ …
وَمَا زَالَ يَضْرِبُهُ حَتَّى جَعَلَ الدَّمُ يَنْبَثِقُ مِنْ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ انْبِثَاقًا.
ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَشُدَّ عَلَيْهِ وِثَاقُهُ (١)، وَحُبِسَ فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ …
وَمُنِعَ عَنْهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ …
ثُمَّ جَاءَهُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِهِ وَقَالُوا:
كَيْفَ أَنْتَ يَا خَالِدُ؟.
فَقَالَ: إِنِّي أَتَقَلَّبُ فِي نِعَمِ اللَّهِ ﷿.
فَقَالُوا: أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَثُوبَ إِلَى رُشْدِكَ (٢)، وَتُطِيعَ أَبَاكَ؟!.
فَقَالَ: أَمَّا رُشْدِي فَمَا فَارَقَنِي وَمَا فَارَقْتُهُ …
وَأَمَّا أَبِي فَلَا أُطِيعُهُ فِيمَا يُعْصَى بِهِ اللهُ ﷿ …
فَقَالُوا: قُلْ لِأَبِيكَ كَلِمَةً تُرْضِيهِ فِي اللَّاَتِ وَالْعُزَّى يُفَرِّجْ عَنْكَ.
فَقَالَ: إِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى حَجَرَانِ أَصَمَّانِ أَبْكَمَانِ …
وَإِنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إِلَّا مَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ … وَلْيَفْعَلْ بِي مَا يَشَاءُ.
* * *
شَدَّ "أَبُو أُحَيْحَةً" وِثَاقَ خَالِدٍ، وَأَمَرَ أَتْبَاعَهُ أَنْ يَخْرُجُوا بِهِ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ الْهَاجِرَةِ (٣) إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ … وَأَنْ يُلْقُوهُ بَيْنَ الْحِجَارَةِ حَتَّى تَصْهَرَهُ الشَّمْسُ.
فَكَانَ كُلَّمَا أَخْرَجُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي الْهَاجِرَةِ يَقُولُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنِي بِالْإِيمَانِ، وَأَعَزَّنِي بِالْإِسْلَامِ …
(١) الوثَاق: القيد والحبل.
(٢) تَثُوبَ إِلَى رُشْدِكَ: تعود إلى عقلك.
(٣) الْهَاجِرَةِ: وقت الظهيرة.