وَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ ﵊ إِلَى الْمَدِينَةِ اتَّخَذَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَبِلَالَ بْنَ رَبَاحٍ (١) مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ يَصْدَعَانِ (٢) بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَيَدْعُوَانِ النَّاسَ إِلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَيَحُضَّانِهِمْ عَلَى الْفَلَاحِ …
فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ؛ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَرُبَّمَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَقَامَ بِلَالٌ …
وَكَانَ لِبِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ شَأْنٌ آخَرُ فِي رَمَضَانَ، فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَدِينَةِ يَتَسَحَّرُونَ عَلَى أَذَانِ أَحَدِهِمَا وَيُمْسِكُونَ عِنْدَ أَذَانِ الْآخَرِ …
كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ وَيُوقِظُ النَّاسَ، وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَتَوَخَّى (٣) الْفَجْرَ فَلَا يُخْطِئُهُ.
وَقَدْ بَلَغَ مِنْ إِكْرَامِ النَّبِيِّ ﵊ لابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ عِنْدَ غِيَابِهِ عَنْهَا بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً كَانَتْ إِحْدَاهَا يَوْمَ غَادَرَهَا لِفَتْحِ مَكَّةَ.
* * *
وَفِي أَعْقَابِ غَزْوَةِ" بَدْرٍ" أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مَا يَرْفَعُ شَأْنَ الْمُجَاهِدِينَ، وَيُفَضِّلُهُمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ لِيَنْشَطَ الْمُجَاهِدُ إِلَى الْجِهَادِ، وَيَأْنَفَ الْقَاعِدُ مِنَ الْقُعُودِ؛ فَأَثْرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَعَزَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرَمَ مِنْ هَذَا الْفَضْلِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ … ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ أَنْ يُنْزِلَ قُرْآنًا فِي شَأْنِهِ وَشَأْنِ أَمْثَالِهِ مِمَّنْ تَعُوقُهُمْ عَاهَاتُهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَجَعَل يَدْعُو فِي ضَرَاعَةٍ: "اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عُذْرِي … اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عُذْرِي" …
فَمَا أَسْرَعَ أَنِ اسْتَجَابَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِدُعَائِهِ.
حَدَّثَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٤) كَاتِبُ وَحْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ:
(١) بِلَال بن رباح: انظره ص ٣٠٣.(٢) يصدعان: يجهران.(٣) يتوخى الفجر: يترقب الفجر ويتطلبه.(٤) زيْد بن ثَابت: انظره ص ٣٥١.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute