فَيَثْبُتُ) الغبنُ لكلٍّ منْ بائع فيما باعَه، ومن مشترٍ فيما اشترَاهُ بـ (ـخِيَارٍ). فيفسخُ من أرادَ الفسخَ منهمَا (١). (وَ) إنْ أمسكَ المغبونُ فَـ (ـلَا أَرْشَ) لهُ (مَعَ الْإمْسَاكِ)(٢)؛ لأنَّ الشرعَ لم يجعلْ له ذلكَ. ويثبتُ (٣) ذلكَ، في ثلاثِ صورٍ:
أحدُهَا: الركبانُ، تلقَّاهُم حاضرٌ، ولو بلَا قصدٍ (٤)، إذا باعُوا واشترَوا وغُبِنُوا (٥)؛ لحديثِ:"لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ (٦)، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أتَى السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ" رواهُ مسلمٌ (٧). والبيعُ صحيحٌ (٨)؛ لأنَّ ثبوتَ الخيارِ لا يكونُ إلا في صحيحٍ، والنهيُ لا يرجعُ لمعنىً في البيعِ، وإنما هوَ بسببِ الخديعةِ، ويمكنُ استدراكها بالخيارِ، أشبهَ المصراةَ -أي: مصراةَ اللبنِ-.
الثانيةُ: المسترسِلُ، وهو: منْ: استَرْسَلَ، إذا اطمأنَّ واستأنسَ (٩). وشرعًا:"منْ جهِلَ القيمةَ من بائعٍ ومشترٍ، ولا يُحسِنُ يماكِسُ"(١٠). ويقبلُ قولُه بيمينِه في جهل القيمةِ، إن لم تكذَبْهُ قرينةٌ (١١). وقال ابن نصرِ الله:"الأظهرُ: احتياجُه إلى بينةٍ"(١٢). وكذَا إجارةٌ إذا جهلَ أجرةَ المثلِ، فإنْ فسخَ المؤجرُ لغبنِه في أثناءِ المدةِ،
(١) انظر: المستوعب ٢/ ٢٦، المغني ٦/ ٣١٢، التنقيح المشبع ١٢٩. (٢) انظر: معونة أولي النهى ٤/ ١٢٥، غاية المنتهى ٢/ ٣٤، الروض المربع ٢/ ٨٠. (٣) تكررت كلمة (يثبت) في الأصل مرتين. وهو سهو. (٤) انظر: المغني ٦/ ٣١٥، الإنصاف ٤/ ٣٩٤، الإقناع ٢/ ٢٠٧. (٥) انظر: الكافي ٢/ ٢٣، الوجيز ١٧٩، الفروع ٦/ ٢٣٠. (٦) الجَلَب: هو ما يجلب إلى السوق من عِيرٍ أو متاع أو بضائعَ من كل شيء للبيع، أصله من الجَلَب وهو: سَوق الشيء من موضع إلى موضَع. انظر: المخصص ٢/ ٤٠٢، مادة: (جلب)، النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٧٦، لسان العرب ١/ ٢٦٨. (٧) من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب البيوع، باب تحريم تلقي الجلب (١٥١٩) ٣/ ١١٥٧. (٨) ولهم الخيار إذا دخلوا السُّوق وعلموا بالغبن. انظر: الهداية ١٦٠، الشرح الكبير ٤/ ٧٧، المبدع ٤/ ٧٧. (٩) أصل الاسترسال: السكون والثبات. ومنه: الترسُّل في الأمر، وهو: التمهل والتوفُّر. وترسَّل في قراءته: اتَّأد فيها. انظر مادة: (رسل)، تاج العروس ٢٩/ ٧٦، النهاية في غريب الحديث ١/ ٦٥٧، المطلع ٢٣٥. (١٠) انظر: المغني ٦/ ٣٦، التوضيح ٢/ ٦١٤. فيثبت له الخيار. الهداية ١٦٠، الإنصاف ٤/ ٣٩٧. (١١) انظر: الإقناع ٢/ ٢٠٨، غاية المنتهى ٢/ ٣٣، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤١. (١٢) يعني: في دعواه الجهل بالقيمة. نقله عنه البهوتي في شرح الإقناع ٣/ ٢١٢.