للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقوله تعالى: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} أي: سِوَاهُ، والتَّذكير لرجوع الهاء إلى "ما أُنزِل".

وقال أبو عبيدة: أي: بما بعدَه (١)، قال النابغة:

حَلَفْتُ (٢) فلَمْ أتركْ لنفسِكَ ريبةً... وليس وراءَ اللَّهِ للمرء مَذْهَبُ (٣)

أي: بعد اللَّه، و"وراء" في غالب الاستعمال ظرفٌ في معنى: خلف.

وقال الأزهريُّ: "وراء" يَصلُحُ لما قبلَه ولما بعدَهُ (٤)؛ لأنَّ معناه: ما توارى عنك؛ أي: استتر وهو موجودٌ فيهما.

أي: يقولون: نؤمن بكتابِنا ولا نَتجاوزُه إلى غيره، فقال اللَّه تعالى: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ}؛ أي: هم بهذا القولِ يكفرون بما وراء التَّوراة.

ويجوزُ أن يكون هذا خبرًا عن الكفَّار أنَّهم قالوا: نؤمنُ بكتابِنا، وأخبروا أنَّهم يَكفرون بما سواهُ، فجاز "نؤمن" بالنون حكايةً عنهم أنَّهم قالوا ذلك، وجاز "يكفرون" بالياء على المغايبة؛ إخبارًا أنهم أَخبَروا بذلك، ومثل هذا قول العرب: استحلفتُ عبدَ اللَّه؛ لأقومنَّ، ولتقومنَّ، وليَقومنَّ (٥)؛ الألفُ حكايةٌ عنه أنَّه حلف فقال ذلك، والتَّاء أنِّي خاطبتُه بذلك، والياءُ إخبارٌ عنه على المغايبة، فقد قلتَ في الصَّدر: استحلفتُ عبدَ اللَّه، وهو مغايبة.


(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٤٧).
(٢) في (أ): "خلفت".
(٣) انظر "ديوان النابغة" (ص: ٧٢).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١٥/ ٣٠٥).
(٥) "وليقومن" سقط من (ف).