وقوله:{تَقْتُلُونَ} مستقبلٌ بمعنى الماضي أو الحالِ في الماضي، وخاطبَ أهلَ عصرِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذا، وقد فعلَهُ أسلافُهم؛ لأنَّهم يتولَّونَهم، ويَرضونَ بفعلِهم.
وقولُه تعالى:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قرأ عامَّةُ القرَّاء بتسكين اللام، وقرأ ابنُ محيصن بالتثقيل (١)، فالتَّخفيفُ: جمع أغلف، وهو الذي غُشِّيَ غِلافًا، وغلامٌ أغلفُ وأقلف: لم يَختتِن، فذلك منه في غلاف، وهو كالأحمَرِ والحُمْر، وقراءةُ الضَّم جمع غِلاف، وهو الغشاءُ والوعاء، وهو كالشِّهاب والشُّهُب، فمعنى التسكين: إنَّ قلوبنا في غشاءٍ وغطاء.
ولمَّا خاطبَهم النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله تعالى:{فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} سكتوا، ولم يمكنهم التكذيبُ، فقالوا:{قُلُوبُنَا غُلْفٌ}؛ أي: في غلافٍ، كما قالوا:{قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}[فصلت: ٥]، فلا نَفهمُ ما تقول، ولا نَفقهُ ما تَحدَّث، يَدَّعون زوالَ الخطابِ عنهم؛ كراهيةً لما سمِعوا، فكذَّبهم اللَّهُ تعالى، فقال:{بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}؛ أي: طردَهم بكفرِهم وعُتوِّهم وعِنادِهم (٢) رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لا أنَّ قلوبَهم بمحَلٍّ لا يفهمون ذلك كما يزعمون، ولكنَّ ذلك لتركِ التَّفكُّر والتَّدبُّرِ فيها.
وعلى قراءة الضَّمِّ معناه: قلوبُنا أوعيةٌ (٣)؛ تَفهَمُ وتَعِي ما يُقالُ ويُخاطَب به،
(١) يعني بضم اللام، والقراءة عن ابن محيصن في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٣٣)، ونسبها ابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ١٥) للؤلؤي عن أبي عمرو. ونسبت لابن عباس رضي للَّه عنهما أيضًا كما سيذكر المصنف قريبًا. (٢) بعدها في (ف): "قال". (٣) بعدها في (أ): "العلم".