وقوله تعالى:{وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}؛ أي: ولا يخرجْ بعضُكم بعضًا من دارِه فيغصبَها، وهو (١) كقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}[النساء: ٢٩]، وقوله تعالى:{فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ}[النور: ٦١].
وفي كتاب "العين": الدارُ اسمٌ جامعٌ للعَرْصَةِ والبناءِ والمحلَّة، وكلُّ موضعٍ حلَّ به قومٌ فهو دارٌ (٢)، وجمعُها: ديار، قال تعالى:{فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}[الأعراف: ٧٨].
وقال القفَّال في قوله:{لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} يدخلُ فيه الأمرُ بفداء الأُسارى، فإنَّ تركَهُم في أيدي العدوِّ سببُ قتلِهم وسفكِ دمائهم.
ورفع {لَا تَسْفِكُونَ}{وَلَا تُخْرِجُونَ} بإثبات النُّون فيهما للوجوهِ الأربعةِ التي ذكَرْناها في قوله تعالى: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} من الآية المتقدِّمة على هذه.
ولا يقرأ هذا بياءِ المغايَبةِ؛ لما بعدها مِن كاف الخطاب في (٣) قوله: {دِمَاءَكُمْ} و {أَنْفُسَكُمْ}.
ثمَّ إنَّما جعلَ قتلَ بعضِهم بعضًا، وإخراجَ بعضِهم بعضًا من الديار: قتلَ أنفسِهم وإخراجَ أنفسِهم؛ لأنَّ المجتمِعين على دينٍ واحدٍ كالنَّفس الواحدة، قال تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[التوبة: ٧١]، وقال:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ}[التوبة: ٦٧]، وقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مثلُ المؤمنين في تراحمِهم
(١) لفظ: "وهو" من (أ). (٢) "العين" للخليل (٨/ ٥٨). (٣) في (أ): "وهي" بدل: "في".