والتنوينُ في قوله:{جَاعِلٌ} مع النَّصب في قوله: {خَلِيفَةً} دلالةُ الفعل، وذلك الفعلُ هو الواقعُ على قوله:{خَلِيفَةً}، وتقديره: سأجعلُ خليفةً، وهو خلافُ تركِ التنوين والذِّكْرِ على وجه الإضافة، ذاك دليلُ وجود الفعل قبل الإخبار، فقولُك: إنِّي ضاربُ زيدٍ، على الإضافة إخبارٌ منكَ أنَّك ضربْتَه، وقولُك: ضاربٌ زيدًا، بالتنوين؛ إخبارٌ أنَّكَ تريدُ ضربَه، وعن هذا قال أهلُ الفقه (١): مَن قال لآخَرَ: أنا ذابحُ شاتِكَ، بالإضافة، ضمِن له قيمةَ شاةٍ وسطٍ؛ لإقراره له بإتلاِف شاته مِن قَبْلُ، ولو قال: أنا ذابحٌ شاتَكَ، بالتنوين، والنصبِ في الشاة، لم يَضمن له شيئًا؛ لأنَّه يُخوِّفه أنَّه يريدُ (٢) ذبحَ شاتِه مِن بَعْدُ.
وعلى هذا ظهَر لك أنَّ قولَه:{جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا}[فاطر: ١] وقولَه: {اللَّيْلَ سَكَنًا}[الأنعام: ٩٦] وقولَه: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}[البقرة: ١٢٤] إثباتُ أمورٍ كائنةٍ، وقولَه:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} إخبارٌ عن أمرٍ سيكون، وكذا قولُه:{وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا}[الكهف: ٨].
فأمَّا الآياتُ التي تُقرأ فيها على الوجهين؛ فللدلالة على الأمرين، قال اللَّهُ تعالى:{وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ}[الصف: ٨] قُرئ بهما (٣)، فالإضافةُ دليلُ تحقيقِ الإتمام لحقيَّة الإسلام، والتنوينُ وعدٌ بالإتمام والإكمالِ لظهور أهل (٤) الإسلام.
(١) في (ر) و (ف): "اللغة". (٢) فى (أ): "يخوفه بإرادة". (٣) قرأ ابن كثير وحفص وحمزة والكسائي: {مُتِمُّ نُورِهِ} على الإضافة، وقرأ باقي السبعة: {متمٌّ نورَه} بالتنوين. (٤) في (أ): "وعد بإكمال ظهور أهل"، وكلمة: "أهل" ليست في (ر) و (ف).