قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: كنتُ لا أدري ما الفاطرُ، حتَّى رأيتُ أعرابيين يختصِمان في بئرٍ، فقال أحدُهما: أنا فطرتُها؛ أي: أبتدأتُ حفرها، فعَلِمتُ أنَّه ابتداءُ الخلق (١).
وقوله تعالى:{وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ}؛ أي: يَرزُق غيرَهُ، ولا يَرزقُه أحدٌ، يُقال: فلانٌ مطعَم للصَّيد؛ أي: مَرزوقٌ منه، وهذه طُعمةٌ فلانٍ؛ أي: رزقٌ له، قال أبو تمام:
ومُطْعَمُ النَّصْرِ لم تَكهَمْ أسِنَّتُهُ... يومًا ولا حُجِبَت عن روحِ مُحْتَجِبِ (٢)
وهو كقوله:{لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ}[طه: ١٣٢].
وقيل: هو على ظاهره؛ أي: هو الذي يُغَذِّي (٣) الخلقَ، وهو غنيٌّ بذاتِه عن كلِّ شيء، مُنزَّه عن الوصفِ بالطُّعم، فهو غنيٌّ والخلقُ فقراءُ إليه، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} الآية [فاطر: ١٥].
وقال الإمامُ القشيريُّ رحمه اللَّه: له وَصْفُ الكرمِ، فلذلك يُطْعِمُ، ولهُ حقُّ القِدَم، فلذلك لا يُطْعَم (٤).
(١) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٣٤٥)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ١٧٥). (٢) انظر: "ديوان أبي تمام" (١/ ٥٨). قال شارحه: لم تكهم؛ أي: لم تَنْبُ، وأصل الكهام في السيف، وقد استعير لغيره. اهـ. يقال: سيف كهام؛ أي: كليل. (٣) هي في النسخ الخطية مهملة الذال، ولعل المثبت هو الصواب. (٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٣).