للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

منك في بغداد؛ فقال: الخليفة لا يقدر أن يأخذها منّي؛ فأمر بعض الوقّادين أنّه حين يدخل بغداد يضربه، ويأخذها منه، ويهرب في الزّحمة، ففعل؛ فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث؛ فلمّا رجعوا من الحجّ خلع على صدر جهان وأصحابه، وخلع على ذلك الفقيه، وقدّمت له فرسه وعليها سرج من ذهب وطوق، وقيل له: لم يأخذ فرسك الخليفة، إنّما أخذها أتونيّ؛ فخر مغشّيا عليه وأسجل بكراماتهم.

وقال الموفّق عبد اللّطيف (١): كان النّاصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة؛ فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد؛ فأحيا بهيبته الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته.

وكان الملوك والأكابر بمصر والشّام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا.

وورد بغداد تاجر ومعه متاع دمياط المذهب، فسألوه عنه، فأنكر، فأعطي علامات فيه: من عدده، وألوانه، وأصنافه، فازداد إنكاره، فقيل له: من العلامات أنّك نقمت على مملوكك التّركي فلان، فأخذته إلى سيف بحر دمياط خلوة، وقتلته ودفنته هناك، ولم يشعر بذلك أحد.

قال ابن النّجّار (٢): دانت السّلاطين للنّاصر، ودخل في طاعته من كل من المخالفين، وذلت له العتاة والطّغاة، وانقهرت بسيفه الجبابرة، واندحض أعداؤه، وكثر أنصاره.

وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممّن تقدّمه من الخلفاء والملوك، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصّين، وكان أشدّ بني العبّاس، تنصدع لهيبته الجبال.

وكان حسن الخلق، لطيف الخلق، كامل الظّرف، فصيح اللّسان، بليغ البيان؛


(١) تاريخ الإسلام ٦٣/ ٨٢.
(٢) تاريخ الإسلام ٦٣/ ٨٢.

<<  <   >  >>