للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أخرى، فجعل يعرّفه، ولا يرى موضعا للكلام، فلمّا أراد أن يفارقه قال الرّجل مبتدئا: وهذه يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص (١): [من الكامل]

يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبك الفؤاد موكّل

فأنكر المنصور ابتداءه، فأمرّ القصيدة على قلبه فإذا فيها (٢):

وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللّسان يقول ما لا يفعل

فضحك وقال: ويلك يا ربيع! أعطه ألف درهم.

وأسند الصّولي عن إسحاق الموصليّ، قال: لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب ولا غناء، بل يجلس وبينه وبين النّدماء ستارة، وبينهم وبينها عشرون ذراعا، وبينهما وبينه كذلك، وأوّل من ظهر للنّدماء من خلفاء بني العباس المهديّ.

وأخرج الصّولي عن يعقوب بن جعفر قال: قال المنصور لقثم بن العبّاس بن عبد اللّه بن العبّاس، وكان عامله على اليمامة والبحرين: ما القثم؟ ومن أيّ شيء أخذ؟ فقال: لا أدري؛ فقال: اسمك اسم هاشمي لا تعرفه، أنت واللّه جاهل؛ قال: فإن رأى أمير المؤمنين أن يفيدنيه، قال: القثم: الذي ينزل بعد الأكل، ويقثم الأشياء، يأخذها ويثلمها (٣).

روي (٤) أن المنصور ألحّ عليه ذباب، فطلب مقاتل بن سليمان، فسأله: لم خلق اللّه الذّباب؟ قال: ليذلّ به الجبّارين.

وقال محمد بن عليّ الخراساني: المنصور أوّل خليفة قرّب المنجّمين وعمل بأحكام النّجوم، وأوّل خليفة ترجمت له الكتب السّريانيّة والأعجميّة بالعربيّة، ككتاب «كليلة ودمنة»، و «اقليدس»؛ وهو أوّل من استعمل مواليه على الأعمال وقدّمهم


(١) من قصيدة في ديوانه ١٦٦ - ١٧٢.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) كذا، ولم أقف على هذا المعنى لدى أصحاب المعاجم. قال ابن الأثير في النهاية ٤/ ١٦: القثم: المجتمع الخلق، وقيل: الجامع الكامل، وقيل: الجموع للخير، وبه سمّي الرجل قثم، وقريب من هذا قول أصحاب المعاجم.
(٤) ثمار القلوب ٢/ ٧٢٥، والمسئول هو عمرو بن عبيد.

<<  <   >  >>