فإنَّ سليمان ﵇ خرج ذات يوم يستسقي، فإذا هو بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها تقول: اللهم إنّا خَلْقٌ من خَلْقِكَ، لا غنى لنا عن فضلك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك المخطئين، واسقنا مطرًا تنبت به لنا شجرًا، وتطعمنا به ثمرًا، فقال سليمان ﵇:«ارجعوا فقد سقيتم بغيركم»(١).
ومن عجائبه أنه مع لطافة شخصه وخفة وزنه؛ له شم ليس لشيء من الحيوان مثله ولا قريب منه، فربما يقع شيء من يدي الإنسان في موضع لا يرى فيه نملًا، فلا يلبث إلا والنمل قد أقبل كالخيط الأسود الممدود إلى ذلك الشيء، وأيضًا يشم رائحة الشيء الذي لا تظهر له رائحة لو وضعته على أنفك، كرجل جرادة يابسة منبوذة، يجد ريحها في جوف وكرها فيخرج إليها، وإن وجدت شيئًا لا تقدر على حمله أخذت منه بقدر ما تستطيع حمله؛ وتأتي منذرة إلى الباقين، وكلّما استقبلتها واحدة شمت من فيها لتستدلّ به على ذلك الشيء، ثم يجتمعون عليه ويجرونه بجهد وعناء، ولو اطلعوا على أن واحدة منهن توانت في العمل أو تكاسلت عن التعاون، اجتمعوا على قتلها، وإذا جمعت القوت من الحب في وكرها وخافت أن ينبت من الندى، ويفسد قطعت كل حبة قطعتين؛ فإنها لا تنبت، إلا ما كان من الكزبرة، فإنها تقطعها أربعًا؛ لأنها تنبت من أقل من أربعة، وإن كان شعيرًا أو عدسًا أو باقلاء، فإنَّهنَّ يقشرنه، فإنه بقشره يمتنع نباته، ثم إذا خافت عليه العفن والفساد في الشتاء، فإذا طلعت الشمس عليه أخرجته على وجه الأرض ونشرته في الشمس، ثم تعيده إلى أماكنه من آخر النهار، وإذا أحست في وسط النهار بالغيم ردّت به إلى أماكنها خوفًا من المطر، فإن دهمها المطر أو أقبل أخرجته في يوم الشمس فيبسته.
ومن عجائبها أنها لا تقرب شيئًا من الحشرات ما دام جسده صحيحًا، فإن أصابها عقر من قطع يد أو رجل، وثبت عليها وهي حية، فلا تفارقها حتى تقتلها، وإن أصاب الحيّة جراحه أو خدش، وثبت عليها حتى تقتلها، وإذا نبت للنمل جناح وطار فيكون قد قرب هلاكه، وصار خصبًا للعصافير، قال أبو العتاهية (٢): [من الكامل]
(١) انظر: الحيوان ٤/ ١٩. (٢) أبو العتاهية، إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، العنزي (من قبيلة عنزة) بالولاء، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية: شاعر مكثر، سريع الخاطر، في شعره إبداع. كان ينظم المئة والمئة والخمسين بيتًا في اليوم. حتى لم يكن للإحاطة بجميع شعره من سبيل. وهو يعد من مقدمي المولدين، من طبقة بشار وأبي نواس وأمثالهما. جمع الإمام يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي ما وجد من «زهدياته» وشعره في الحكمة والعظة، وما جرى مجرى الأمثال، في مجلد منه مخطوطة حديثة في دار الكتب بمصر، اطلع عليها أحد الآباء اليسوعيين فنسخها ورتبها على الحروف وشرح بعض مفرداتها، وسماها «الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية - ط» وكان =