وتترك في فخارة؛ ويشدّ رأسها، وتدفن في وسط الدار، فلا ترى فيها بعد ذلك الأرضة (١).
[١١٨ - ذباب]
أصناف كثيرة تتولد من العفونة، وقيل: إنّها تتولّد من روث الدواب، لم يخلق لها أجفان لصغر عينيها، وفائدة الجفن وقاية الحدقة من الغبار، فخلق الله لها اليدين ليقوما مقام الجفن، فلهذا ترى الذباب لا يزال يمسح حدقتيه بيديه (٢)، وله خرطوم يخرجه إذا أراد مص الدم، ويدخله إذا روي، ومنه يطن ويخرج منه الصوت كما يجري النفس في القصبة عند النفخ، ولا يقدر على المشي إذ ليس لرجليه مفصل بخلاف النمل والقمل، ورؤوس أرجلها خشنة لئلًا تزلق إذا وقعت على شيء أملسن. والذباب يصيد البق، ولأجل ذلك لا ترى البق بالنهار، ويظهر بالليل عند سكون الذباب.
قال الجاحظ (٣): لولا الذباب يأكل البق ويطلبه في زوايا الدار، ما كان لأهلها فيها قرار، وإذا أصاب شيئًا من الحيوانات جراحة، يقع عليها الذباب في الحال، ويكون سببًا لهلاكها، إلا إذا كانت الجراحة في موضع يصل إليه الحيوان بفمه، فينقيه بالحس، وإنّما يكون الذباب سببًا لهلاك الحيوان؛ لأنه إذا وقع على الشيء ونَمَ عليه، والدود يتولّد من ونيم الذباب، ومن عجائبه أنه ينم على الأسود أبيض وعلى الأبيض أسود.
فائدة جليلة:
قال بعض الحكماء: من الناس من هو كالذباب لا يقع إلا على عقر، فنظمه بعض الفضلاء فقال:[من الكامل]
يَدَعُ الذُّبَابُ جميعَ جِسْمِك سالمًا … ووقوعه بالطبع عند قروحه
كالنذل يُعْرِضُ عن جميل صديقه … أبدًا وليس يبث غير قبيحه
قال ابن البيطار (٤): والذباب ألوان للإبل، ذباب، وللبقر ذباب، وللأسد ذباب، وأصله دود صغار يخرج من أبدانهن، وما يخرج من أبدان غير ذلك يتحول ذبابًا وزنابير، وذباب الناس يتولد من الزبل، وإذا أخذ الذباب وقطعت رؤوسه ويحك بجسده على الشعر الذي يكون في الأجفان حكًا شديدًا فإنه يبرئه، وإن أخذ وسحق بصفرة البيض وضمد به العين التي فيها اللحم الأحمر من داخل الملصق الذي يسمّى