هذا النّوع من الحيوان شديد الشّبه بالشّياطين (١) لما فيها من الكبر والغضب وضيق الخلق وكثرة الفساد وقلّة الاستئناس والجرأة على الإهلاك، وهي مخالفة لنوع النّعم في الأخلاق والأفعال.
ولمّا لم تكن غاية الإنسان مصروفة إلى تربيتها كما في نوع النّعم؛ خلق الله تعالى لها تحصيل الأطعمة بآلاتٍ، كالعدْو الشّديد، والأنياب والبراثن والقوّة والجرأة والهيبة الهائلة وسعة الفم وغلظ الرّقبة وعرض الصّدر ودقّة الخصر وخفّة الأسفل، ولولا ذلك لعجزت عن تحصيل طعمتها، ثمّ إنّها لمّا كانت كثيرة الفساد اقتضت الحكمة الإلهيّة تقليل عددها، فتراها تلد في بطن واحد سنًّا أو سبعًا في السّنة مرّة أو مرّتين ولا يبقى منها غير القليل في أطراف البلاد، ولولا ذلك لامتلأ وجه الأرض من السّباع. ولو كان عدد جميع السّباع كنوع الغنم، لأدّى ذلك إلى فساد عظيم، فسبحان من اقتضت حكمته تقليل الضّارّ، وتكثير النّافع لطفًا بعباده. فمنها:
[١٤ - ابن آوى]
هو حيوان يفسد الكروم والثّمار (٢)؛ يأكل بعضها ويفسد بعضها، يقال له بالفارسية: شفال، إذا وقع نظر الدّجاج عليه يأتيه ولو على سطح عالٍ؛ ويرمي نفسه بين يديه حتّى يأكله، كما ذكرنا في الحمار والأسد، والذّئب والشّاة، ومن العجب أنّ الدّجاج إذا كان على الشّجر لو مرّ بها كلّ كلب وثعلب وسنّور، لا تتحرّك البتّة، فإذا مرّ بها ابن آوى، ألقت بنفسها إليه حتّى لو كان الدّجاج مئة، لأتين إليه.
وإذا أراد ابن آوى صيد طير الماء جمع حزمة من الحشيش ويرميها في الماء ويتركها حتّى يستأنس الطّير بها ويقع عليها، فإذا استأنس الطّير بها جعل يمشي خلفها ويصطاد ما يقدر عليه.
قال في كتاب العجائب (٣): إنّ لسانه إذا ترك في بيت قوم، يقع بينهم الخصومة، ومرارته يسقى منها نصف درهم بالماء الحار ثلاثة أيّام ينفع من الطّحال، ولحمه ينفع