جميعًا في موضعها، وإن علق في برج حمام، لم تقربه حية ولا شيء يؤذي الحمام، وإن كتب صداق في جلد شاة قد افترسها الذئب، لم يكن بين الزوجين اتفاق البتة، وأنيابه وجلده وعيناه إذا حملها الإنسان معه غلب خصمه، وكان محبوبًا عن الناس.
[٢٣ - سنور]
حيوان ألوف متملق، خلقه الله تعالى لدفع الفأر (١) وقد ذكر أن الفأر كثير في سفينة نوح ﵇ حتى آذاهم، فشكوا ذلك إلى نوح فمسح على جبهة الأسد؛ فرمى من منخريه زوجي سنّور، فلذلك كان السنور أشبه شيء بالأسد.
وهو يحبّ النظافة فيمسح وجهه بلعابه، وإذا تلطخ شيء من بدنه، لا يلبث حتى ينظفه، وعند هيجانه ينال ألمًا شديدًا من لذع مائه فتحرقه نطفته، وتقوى عليه شهوته، فلا يزال يصيح حتى تسمع الأنثى صياحه، وهو محتاج إلى نقص تلك المادة أيضًا، فيأتيها فيقضي حاجتها، وإذا ولدت يغلب عليها جوع شديد، فإن لم تجد ما تأكل أكلت أولادها.
ويدفن جعره كي لا يراه أحد، قيل: إنما يفعل ذلك لئلا يشم الفأر رائحته فيمعن في الهرب، ولذلك إذا دفنه شمه فإن وجد رائحة زاد عليه التراب، وإذا مر الفأر في السقف استلقى السنور على ظهره وحرّك يديه ورجليه ليراه الفار؛ فيسقط من السقف فزعًا، وإذا صاد شيئًا من الفأر يلعب به زمانًا، وربّما يخليها حتى تمعن في الهرب وتظن أنها نجت، ثم يثب عليها ويأخذها، فلا يزال يخدعها بالسلامة، ويورثها الحسرة والندامة، ويلتذ بتعذيبها ثم يأكلها، وقد جعل الله تعالى في طبع الفيل الهرب من السنور.
قال ابن البيطار (٢): الفرو المتخذ من السنور حار يابس، وشبيه في حرّه ويبسه بجلد الثعلب، ومقارنتها وشم نفسها يورث الذبول والسلّ، وإذا طبخ سنّور وألقي بدمه في قدر كما هو وطين عليه وأحرق حتى يعود رمادًا؛ وأخذ ذلك الرماد وخلط بعسل نحل وطلي منه بريشة على الشقاق الكائن بين الأصابع والرجلين أبرأه وحيًا، ولحمه ينفع من أوجاع البواسير ويسخن الكلى، وينفع من وجعها، وزبل القطاط يسقط المشيمة بخورًا كان أو حمولًا، ولحم السنور إذا جفّف ودق، استخرج النصول، وله جذب شديد.
وأما سنور البر (٣)، فعلى شكل الأهلي، إلا [أنه] أكبر حجمًا، ولكثرة أعدائه من