للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والحية لما عدمت آلة الهرب أعطاها الله تعالى سلاحًا تدفع به عن نفسها، فلأجل ذلك إذا سمع الإنسان بوجودها في بقعة، هرب عنها ولم يقربها البتة، ولولا نابها لا تخذها الناس حبلًا، وللعب بها الصبيان. وذكروا أنّ شعر الإنسان إذا وقع في الماء المكشوف للشمس، يصير حية، وهي من الأمم التي تكثر أصنافها في الصغر والكبر، والتعرض للناس والهرب منهم، فمنها ما لا يؤذي إلا إذا وطئها واطئ، ومنها ما لا يُؤذي إلا إذا وطئ بيضها وفرخها، ومنها ما لا يُؤذي إلا إذا آذاه الناس، ومنها ما يشبه الحيّة ولكنه ليس بحيّة، وله نفخ شديد ووعيد وتوثب، فمن لم يعرفه، كان عليه أشدّ هيبة من الأفاعي والثعابين، وهو لا يضر قليلًا ولا كثيرًا، والحيات تقتله، ومنها حيّة يقال لها: الملك، طولها شبر وأكثر، على رأسها خطوط بيض، فإذا انسابت على الأرض أحرقت كل شيء تمر به، وإن طار طائر فوقها، سقط عليها، وإذا بدأت تنساب هرب بين يديها كل دابة، وإذا صفرت قتلت كل حيوان يسمع صوتها، وإذا نفخت يسيل من فمها الصديد، وإن نهشت حيوانًا مات، وكل من أكل من جيفته مات.

قال أبو الفرج عبد الله المتطبب: الحيّات على ثلاثة أقسام، القوية جدًا، وسمها مهلك بسرعة، والضعيفة، وسمّها يتدارك بالتدبير والمعتدلة، وهي التي تصلح للترياق. ومن عجائب الحية أنها إذا عرفت مقتولة أحرزت رأسها في بدنها، وجعلت بدنها وقاية لرأسها، ولا تزال تنطوي لئلا تقع الضربة على رأسها، فإن رأسها ملاك الحياة، والحية تعيش ألف سنة، وفي كل سنة تسلخ جلدها، فإذا انسلخ يظهر على قفاها نقط، ويكون عددها عدد سني عمرها، وإذا دخل بعضها الجحر وبعضها خارج، لا يمكن جذبها باليمين أبدًا ولو تقطعت، فإن أخذها باليسار خرجت معه.

وتبيض الحيّة ثلاثين بيضة؛ على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل والبق والدود، فيفسد أكثرها، ولا يبقى صحيحًا إلا شيء يسير، فإذا لذعتها العقرب، تطلب الملح وتنام عليه لتنجو؛ وإلا ماتت، وروي أن في الحيّات حية إذا ضربها الضارب بالعصا، يموت الضارب، وفي برّية الأهواز حيّة حمراء دقيقة، إذا رأت الإنسان، تثب عليه كالطير وتلسعه فيموت في الحال.

قال أبو جعفر المكفوف النحوي: عندنا حية تصيد الطير بحيلة عجيبة، وذلك أنها إذا انتصف النهار واشتد الحرّ، وامتنعت الأرض من الحافي والمنتعل، غرزت ذنبها في الرمل وانتصبت كأنها عود مركوز أو ثابت، فإذا رأى الطير عودًا قائمًا وقع عليه لشدة الحر فتقبض الحية عليه وتأكله.

<<  <  ج: ص:  >  >>