سوابق الخير سراعًا وفتح أبواب الرحمة بتغليقه، وجَدَّ في طلب تخليقه، تضرع بمد ذراعه الينا، وسلّم عند الوفاء بأصابعه علينا، ونشر علم ستره، وطلب لكرم طباعه جبر العالم بكسره، فرسمنا بأن يخلق، ويعلم تاريخ هنائه ويُغلق، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فوج موجه، ويهيل كثيب سده هول هيجه، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة، ويجوس خلال الحنايا كأن له فيها خبايا موروثة، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة، وعلا زَبَدَ حركته، ولولا ظَهَرَتْ في باطنه من بدور أناسه، اشعتها المعكوسة، وبشر بركة الفيل ببركة الفال، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نَزَلَتْ بركاتها من الله تعالى على العباد، وهذه عوائد الألطاف الألهية بنا، التي لم نزل نجلس على موائدها، ونأخذ منها مانهبه لرعايانا من فوائدها، ونخص بالشكر قوادمها، فهي تدبّ حولنا وتدرج. ونخص قوادمها بالثناء والمدح، فهي تدخل إلينا وتخرج، فليأخذ الجناب العالي حظه من هذه البشرى، التي جاءت بالمن والمنح وانهلت أياديها بالغدقة بالسح والسفح، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجى أديم الأفق، ويتخذها عقدًا تحيط منه بالعنق إلى النطق، وليتقدم الجناب العالي بأن لا يحرك الميزان في هذه البشرى بالجباية لسانه، وليعط كل عامل في بلادنا بذلك أمانه، وليعمل بمقتضى هذا المرسوم حتى لايرى في اسقاط الجباية خيانة، والله تعالى يديم الجناب العالي لقص الانباء الحسنة عليه، ويمتعه بجلاء عرائس التهاني والأفراح لديه، بمنه وكرمه.
ومن ذلك جواب كتبه عن النائب بالشام إلى الملك الأفضل صاحب حماة، وقد أرسل مشمشًا كافوريا:
لا زال إحسانه كالعلم المشهور، وجوده المنظوم يهدي من الثمرات ما هو كالؤلؤ المنثور، وبره يتحف بما هو كالشهد في الطعم واللون، وكالنجم في الشكل والنور، وكرمه يتضوّع نَشْرًا، وكيف لا وقد جاء بما ينسب إليه الكافور، وينهي ورود المشرفة العالية قرين ما أنعم به مولانا من المشمش الكافوري فوقف عليها، وقابل إحسانه بشكر يشرق نورا، وثناء يدير على الأسماع كأسًا كان مزاجها كافورا، وواجه جوده بحمد يتلوه منه وجه الروض بمنثوره، وتجد الألسنة لمنظومه لذة تنسي الأسماع ما قاله أبو الطيب في كافوره ومتع ناظره بتلك الكواكب التي اتسقت من العلب في أفلاك، وتنسقت كالدرر ومالها غير حسن الرصف أسلاك، وتأملها وهي كرات بلور،