للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقررت له وأقررت أنه إمام المحسنين، وبايعته واتبعته وأنا من الموقنين، وبسطتُ يدي فبايعت ملك البلغاء خليل أمير المؤمنين، وربحت في مزاد تصانيفه استزيرها، وقنعتُ بمذاكرته ولم أقل: [من الطويل]

خليلي هل من رقدة استعيرها

أقسم بالله وهو أوكد الأيمان، وأوثق ما يقف معه أهل الإيمان، ما إن رأيت منه آدب، ولا مع غناه عن التحصيل أداب، ولا أظنّ منه أجمع لمدحة وآبدة، وأخبار أمم باقية وبائدة، لديها وأقدة، ولا مُقَل الفراقد عن التطلع إلى هذا، وما كسا، الزمان مثله ثوبيه ولا حمل الوجود حفيا شبهه بين جنبيه، فهو محدث يحدث بالصحيح، وتروى عنه العجائب، والمعروف وكله غرائب، كم قال وكم ألجم بالحصر كل لسن، وقام بالسنّة وكل سنده علي، وحديث حسن. هذا على أنه حامل فقه لا ينقل إلى أوعى منه، ومتقن علم لا يؤخذ القديم والحديث إلا عنه، نعم، وأنعم به من مؤرخ ينشئ الامم وينشر الرمم، وينشد ضوال الأنباء، وقد أماتها البكم، وأقبرها الصمم، فشقّ أصداف اللحود عن دُرَرهم، وكشط جلد الدهماء عن غررهم، وأوجدهم فما كتب من التاريخ وجودًا ثانيًا، فأقاموا به أرواحًا، وسُئلوا فقالوا فصاحًا، ساقهم في تاريخه فكأنما قاموا في صعيد واحد لديه، وأتى بهم من عهد آدم وهلم جرا إليه، أَجَلْ، وهو أَجَلُّ كاتب تخضع لطرسه مهارق السحائب، ويخشع لقلمه سيف البرق المسنون، ويسقط قلبه الواجب، وأضاء أيضًا له نور حكمة يغلب فجرها الطالع مشارق الأنوار، ويغلُّ فكرها السابق يد القيرواني (١) إن نظمت أبكار الأفكار، ويذهب التحصيل، وليس من بدره المنير درهم ولا من شمسه المشرقة دينار، وينبو دونه مضرب السيف، ولو أن الآمدي ذا الفقر ذو الفقار فأما ابن سناء فتخفى في طي البروق إشاراته، والرازي يرزأ كتبه وتجف في لسان القلم عباراته، وقل أن وجد في علم اقليدس مثله من يحل إشكاله وبجل أشكاله، ويغدو من قلّ علمه الاقلودي للأرض مقسمًا، ولمقادير الكواكب متوسمًا بل لو وصل إلى ابن واصل علمه لقنع بما فضل أو ابن العديم جمال الدين ما عدم ماتعنى إليه وماوصل، وكل هذا عوله على أدبهِ الذي هو أغضّ من ورق النبات، وأحسن من تذهيب الحياء فضة خدود البنات بقريحة أصفى من الماء، واورى من النجوم في الظلماء، وأغرب من عنقاء، وأطرب من ورقاء، وكتب الإنشاء مصرًا وشامًا، فَكَبَت، وجَرَتْ معه


(١) يريد به ابن رشيق القيرواني صاحب (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده).

<<  <  ج: ص:  >  >>