وكتبتها واليوم قد طال في أفقه جناح الشعاع، وأدهم الصبا وغر برقه اللماع، وصرَّ الجندب في نواحيه وسكت الطير بعد تلاحيه، وغرق في آلة الليل وعرف بسوادِهِ في كف ماحيه، والشمس في كبد السماء ترمي بشرر كالقصر، والأصيل قد الى أن لا يميد ولا يجنح للعصر.
ومن نثره أعني اليماني قوله:
وينهي أنه بلغه وفاة الولد، وأن الله نقله إليه ولم يعلق بشيء من الذنوب، وجعله ذخيرة وفرطا لمولانا يوم يجازى كلّ امرئ بما قدم من سالف العمل المحسوب، فلقد جرّع الاحشاء صابه، وجرح القلب لساعة التفريق مصابه، وقطع الاكباد فقده، وأورث الأحزان بعده فياله من قرة عين أورثها القدر قذى الأجفان، وغصن سؤدد اقتطعته قبل الازهار يد الاحزان، وهلالُ حُسْنٍ اعْتَوَرَ نوره الحدثان، وثمرة جود أُوْدِعَت مدارج الأكفان، ورَبَّعُ أُنْسِ أَمسى صاحبه بالخطوب خللًا، وفادح أمرٍ أضحى بيان أمره جللًا، على أن الخطوب لا تزاحم إلا ثبيرًا، ولا تعاند بورودها إلا كبيرًا، وفي سجاياه الكريمة خلال قل أن تكون لغيره من الناس، وصفات تفرد بها وهي الثبوت عند هجوم البأس، ولئن غاب من سماء علائه هذا النجم الزاهر، وذهب أثره المنير الباهر، فكم في فلك محامِدِهِ من نجم سيادة بأنوار الرئاسة ساطع، وكوكب فضل ما يقال له: هذا غارب حتى يقال لأخيه: هذا طالع.
ومنه قوله من كتاب كتبه إلي:
وينهي أنه لما كان من خدم هذا البيت الشريف والغني بسمة ولائه بين أوليائه عن التعريف، وقد سارت مدائحه في هذه البقية العمرية مغربة ومشرقة، ومنجدة ومعرفة، يهجم بها وجفنه لبعده عن باب سيده لا يذوق غمضا، ولا يعرف ليلًا أقبل أو يقضى، وقصارى مناه أن لا يقبل فيه قول حاسد أو جاهل، حاشا المجلس الشريف، أو عالم معاند ومولانا يعذر المملوك، فإنه كتب هذه الضراعة والليل أسفر دجنه والسهر قد توسّم المملوك حتى تغير ذهنه، والمملوك مايتغير في هذا البيت المعمور العمري ظنه.