للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبعد فإن أولى ما عظم في النفوس، وازدانت به المحافل والطروس، الشرع الشريف، وبه زَجْر أهل الاجتراء والاجتراح، وتحقن الدماء وتُستباح، ولهذا تعين ان لا يحل ذروته السنية ورتبته العلية إلا مَنْ انعقد الاجماع على انه للولاية متعين، وان موجب استخلاصه واختصاصه للمباشرة بين، ولما كان فلان هو العلم الذي ليس لفضله جاحد والفقيه الواحد، الذي هو أشدّ على الشيطان من الف عابد، والذي عادل دم الشهداء مداده، وماثل البحر الزاخر مدده في الفضائل واستمداده، وباشر قضاء القضاة، وقضاء العساكر المنصورة بالشام المحروس مدة متطاولة، وشكرت مباشرته المنصبين، وحكم بأهليته لما قامت البيئة من خبره وخُبْرِهِ بشاهدين، وبرأت من عيون الأعيان أحكام الاحكام، ولا أثرة بعد عين، وأبدع في تقريبه المسائل وتقريره وتحويره، وتحيل حتى قيل هو في العلو والعلوم شريك القاضي شريك (١)، وبأنباء الشريعة المطهرة هو الخبير الذي ينبيك، وبلغنا انه في هذه المدة حصل له في اثناء البحث ما أَزْعَجَهُ وأَخْرَجَهُ، وعن خُلُقِهِ الرضي أَخْرَجَهُ، وامتنع من الحكم أيامًا، ولم يجر له في الأمور الشرعية لسانا ولا أقلامًا، فاقتضى اعتناؤنا بالشريعة المطهرة اشخاصه إلى بين يدينا واستعلام سبب ذلك يقينًا، وان نصرح له بتجديد توليه تولية مناصبه وتأكيد رفعة يكف بها مُنَاصِبَهُ.

ومنه قوله:

وينهي ان المشرف العالي ورد إليه فتنسم أرواح قربه، وأوْجَدَ مسرات قلبه، واعدم مضرات كربه، وأبَهَجَهُ الكتاب بعبير رياه، وألْهَجَهُ الخطاب بتعبير رقياه، فرأى خطه وشيًا مرقوما، ولفظه رحيقًا مختوما، ووجَدَهُ مختومًا على دُرَر كلامية، وبشر منامية، وحديث نفس عصامية، نرجو من الله ان نشاهد ذلك ايقاظًا ويكون لأنبائه حفاظًا.

ومنه قوله يصف زيادة النيل:

وأقبل يعب عبابه، ويكاثر البحر المحيط انسكابه، ويطاوِلُهُ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ (٢)، وأمر زيادته يعظم عن الشرح ويكبر، ومشاهده لقدرة الله فيه يتلو: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (٣) وقد تَلَقَّتْهُ البلاد تلقي المحبّ


(١) شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي، الكوفي، ابو عبد الله، من الفقهاء المحدثين الاذكياء استقضاه المنصور العباسي على الكوفة سنة ١٥٣ هـ ثم عزله فأعاده المهدي وعزله الهادي، ولد في بخارى سنة ٩٥ هـ ومات بالكوفة سنة ١٧٧ هـ.
انظر: وفيات الاعيان ٢/ ٤٦٤ وتاريخ بغداد ٩/ ٢٧٩ والمعارف: ٥٠٨.
(٢) سورة فاطر: ١٢.
(٣) سورة لقمان: ٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>