الأخبار في عدّة الحضور، ولولا التاريخ لجهلت الأنساب، ولم يعلم الانسان ان أصله من تراب، وكذلك لولاه لماتتْ الدول بموت زعمائها، وعمي من الأواخر حال قدمائها، ولم تحط عِلْمًا بما تداولته في الأرض من حوادث سمائها، ولمكان العناية إليه لم يخل منه كتاب من كتب الله المنزلة، فمنها ما أتى بأخباره المجملة، ومنها ما أتى بأخباره المفصّله، وقد وَرَدَ في التوراة في سفر من أسفارها، وتضمن تفصيل أحوال الأمم السالفة ومدد أعمارها وقد كانت العرب على جهلها بالقلم وخطه، والكتاب وضبطه، تصرف الى التواريخ جُلَّ دواعيها، وتجعل له أوفر حظ من مساعيها، فتستغنى بحفظ قلوبها عن حفظ مكتوبها، وتعتاض برقم صدورها عن رقم مسطورها، كل ذلك عنايةً منهم بأخبار أوائلها، وإبانة، فضائلها، وهل الانسان إلا ما أسسه ذكره وبناه؟ وهل البقاء ألا بصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه؟.
ومنه قوله:
الخادم يعود المولى من شكاة جسمه، والناس يعودون الخادم من شكاة همه، وإذا مرض المولى المنعم سرى مرضُهُ الى عبيدِهِ وخَدَمِه، فهم مشاركوه في اسم مرضه، وإن خالفوه في صورة ألمه، وقد تمرض أرواح المرض أجساد، ويشتركان في كل شيء حتى في عيادة العواد.
ومنه قوله في السير:
ولقد سرتُ سير الأخبار، وأخذتُ بمطالع الليل والنهار، حتى عُدِمتُ رفقةً ورفقا، وصيرتُ للغرب غربًا وللشرق شرقًا.
ومنه قوله:
إذا وقفت بالدار تُسائل أحجارها، وتبكي آثارها، فإنك لا تبكي التراب، بل الأتراب، ولا تندب الآثار الحائلة بل الأحباب الزائلة، ولا فائدة في سلامك على الطلل الذي لا يعي خطابًا ولا يرد جوابا، فإنا نخاطب أصداء لا تملك إعادة ولا إبداء، وإذا شَغَلْتَ نفسك بسؤال التراب والجندل، فلا فرق بي سؤال من لا يجيب، وجواب مَنْ لا يسأل،
ومنه قوله قريب منه:
ولقد قصد منه كريمًا لم تزل معاهد أكنافه معهودة، … ومن شيمة مواهبه ان تكون قاصدة قبل أن تكون مقصودة، من يسأله غير درجات المعالي فقد قَدَحَ في مواهبه، وحط من مراتبهِ، أَمْسَك المال وجَعَلَ حادث هلاكِهِ في ضمن إمساكه، فلو حلف سائله أن يصافح السحاب لبّر في يمينه بمصافحة يمينه، وليس هذا من المجاز الذي.