للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حدث من الفم كحدث من الفرج، ولكن ما كل مَنْ تناول قلمًا كتب، ولا كلّ مَنْ رقى منبرًا خطب، الدعاوى في هذا المقام كثيرة، ولكن ليس القنا كغيرها من القُصُبْ.

ومنه قوله (١):

وكان بين يدي شمعة تعم مجلسي بالإيناس، وتغنيني وحدتها عن كثرة الجلاس، وينطق لسان حالها أنها أحْمَدُ عاقبةً من مجالسة الناس، فلا الأسرار عندها بملفوظة، ولا السقطات لديها بمحفوظة، وكانت الريح تتلعب بلهبها، وتختلف على شعبه بشعبها، وطورًا يُقيمه فتصير أنملة، وطورًا تُميله فيصير سلسلة، وتارة تجوّفه فيصير مدهنة، وتارةً تجعله ذا ورقات فيتمثل سوسنة ومرةً تنشره فينبسط منديلا، ومرة تلفه على رأسها فيصير إكليلًا، ولقد تأملتها فوجدت نسبتها إلى العنصر العسلي، وقدها قد العسال، وبها يضرب المثل للحليم، غير أن لسانها لسان الجهال، ومذهبها مذهب الهنود في إحراق نفسها بالنار، وهي شبيهة بالعاشق في انهماك الدمع واستمرار السهر، وشدة الاصفرار.

ومنه قوله:

ولقد عدا السحاب طوره إذا هَطَلَ في بلدة هو بها مُقيم، لكن عذره أنه أتى متعلما، وقد جَرَت العادة بإفادة التعليم، وما أقول انه يقابل ذاك الوجه الندي، إلا بوجه قلَّ ماؤه، ولو استحيا منه حق الحياء لما هَطَلَتْ سماؤه، وأني يُقاس فيض كرم السحاب بفيض كرمه، أو ديمه الدائمة بإقلاع ديمه.

ومنه قوله:

إذا رفعت الخطوب أعناقها، لقيها من رأيه بسعد الذابح، وان بقى ليلها، غشيه من عزمه بالسماك الرامح، فهو يسفك دماءها، ويجلو ظلماءها، ولهذا ترى وقد أجْفلت عن طريقه، فرجَعَتْ عن حرب عدوّه الى سلم صديقه.

ومنه قوله في اليأس والطمع:

ان نظر الى اليأس والطمع وجدا سواء في جدوى الاعطاء، ولا فرق بينهما إلا في روح التعجيل وكرب الإبطاء، ومن ههنا عجل البأس غنى والطمع فقرا، وأُوسع صاحب هذا ذمًا وصاحب هذا شكرا.

ومنه قوله:


(١) الوافي بالوفيات ٢٧/ ٣٨ ورسائل الاثير ٩٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>