للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يسوق إليها خيرة الله من عباده، وهذا أوضح برهان قاطع على انه خير بلاده. أما الصحابة رضوان الله عليهم [فقد] أجْمَعُوا على اختيار السكنى بالشام، أما فتح دمشق بكر الاسلام! وما ينكر ان الله ذكر مصر وسماها أرضًا، فما الذكر والتسمية في فضيلة القَسَم (١) من الشام، بنقل يوسف الصديق إليها عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم المقام بالشام أقرب على الرباط، وأوجب للنشاط، وأجمع للعساكر السيارة من سائر الجهات، واين قطوب المقطم (٢) من سنى سنيٍر (٣)؟ وأين ذرى منف (٤) من ذروة الشرف المنيف المنير؟ واين الهرم الهرم من الحرم المحترم؟ وبينهما الفرق ما بين القدم والفرق، وهل للنيل مع طول نيله وطول ذَيْلِهِ واستطالة سيله برد بردى في نقع الغليل؟ وما لذاك الكثير طلاؤه هذا القليل، وسيل هذا السلسبيل؛ وإذا فاخرنا بالجامع وقبة النسر (٥)، ظهر عند ذلك قصر القصر، على ان باب الفراديس (٦) بالحقيقة باب النصر، وما رأس الطابية كباب الجابية (٧)، ولو كان لناسها بأناس لم يحتاجوا الى قياس المقياس، ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه، ولا نأبى فضله كما أباه، وحب الوطن من الإيمان، ومع هذه فلا ننكر ان مصر إقليم عظيم الشأن، وأن مغلها كثير، وماؤها غزير، وأن عدها نمير، وأن ساكنها ملك أو أمير، وأن الذهب فيها لا يوزن بالمثاقيل، ولكن بالقناطير، ولكن نقول كما قال المجلس السامي الفاضلي، أسماه الله، إن دمشق تصلح أن تكون بستانًا لمصر ولا شك أن أحسن ما في البلاد البستان، وهل دمشق إلا مثل الجنان؟ وزين الدين (٨)، وفقه الله، تعرض للشام فلم يرض أن تكون المساوي حتى شرع وعد المساوي، ولعله يرجع إلى الحق ويُعيد سعد إسعاد وفاقه إلى الأحق.

ومنه:

ولو واصل خدمه بمقتضى مخالصته، لما وفى في جميع عمره ببعض ما يجب.


(١) بعدها في الروضتين: ولا الأخبار عنها دليلًا على الكرم، وإنما اكتسبت الفضيلة من الشام.
(٢) المقطم: جبل مشرف على القرافة مقبرة فسطاط مصر والقاهرة (معجم البلدان - مقطم).
(٣) سنير: جبل بين حمص وبعلبك (معجم البلدان - سنير).
(٤) منف اسم مدينة فرعون بمصر (معجم البلدان - منف).
(٥) الجامع هو الجامع الأموي بدمشق، وقبة النسر هي القبة التي تعلو الجامع.
(٦) باب الفراديس: من ابواب دمشق القديمة.
(٧) باب الجابية: من ابواب دمشق القديمة.
(٨) زين الدين الواعظ، علي بن نجار من أهل دمشق وسكن مصر، كتب إلى صلاح الدين يشوقه إلى مصر، فأجابه العماد بهذه الرسالة عن السلطان (الروضتين ٣/ ٢١٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>