عِلم الله أنه بريء من كل ما يوجب المَذَام ويُطلق ألسنة المَلام، ومُلئ من الخِدمة بما لا يُغْضَى فيه عن حق سبقه لأحدٍ من الخُدّام، وأنه لجواد يبذل جهده، وما عليه أن تجلب الأيام، وأنه لمستيقظ من حقوق الخدمة، إلا أن حظه من أهل الكهف لطول المنام، وما كان تأخره عن المكاتبات التي يخدم بها مجلسها، ويقتدح بها من الإجابة قبسها، إلا الرغبة أن يكون مُقْترنًا بحصول أمْرٍ، فما اسعفته الأقدار بمراده، ولا نجح رائد اجتهاده، وكتب هذه الخدمة حين احصر على ما استيسر من الهدي، قد ركب من قديم الاخلال حد النهي، متبرّئًا من التقصير الذي ما هو منه ولا إليه، ومُعوّلًا في العذر الذي ما كان مخلوقًا قبل خَلْق يديه، ووصل الأميران فعظم الأنس بمقدمهما الكريم، وقدما إلى بلاد صارت كظل رامة لا يريم، ولا يؤدي يومه الجديد ما كان يؤديه أمسه القديم، وكيفما حلّ أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كلّ مطلع نجومه وبدوره، لا تزال أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تتبدل أقدارهم في مصونات المجامع:[من البسيط]
يَحْمِيْه لأَلاؤُه ولُوذْعِيْتَهُ … عن أنْ يُذَالَ بمَنْ أو ممنِ الرَّجُلُ
كأن الأرض بهم سماء، فإنهم طوالِعُها، وكأنّ الدنيا بهم رياض، فإن أوجههم زهرها، وأيديهم مَشَارِعُها، وما يدع العبد غايةً من الخدمة لهما إلا بَلَغَها، واعتذر، واجتهد، ورأى أنه قد قصّر. لا زالت الأيام ناظمةً لعقد المجد ببقاء الواسطة ولا بَرحَتْ الجنة العلياء مُصَرَّفةً بأيديهم الباسطة.
سطر هذه الخدمة ثبت الله قواعد مجدِهِ وأرساها، ولا ابتز أفنيته حلاها من السُّعود وكساها، وقرن بالسكون والأنوار مصبحها وممساها، في ساعة رحيل قد غَرّد حاديه، وسال شط واديه، وكان يؤمل اجتماعًا يغنيه عن تحمل منن الأقلام وصنائعها، ويدنيه من مشافهة الأنوار التي إلى اليوم ما تناست العيون فضل ودائعها، فاحصرته الأنوار دون منسكه، وعثرته الأيام بذيل العجز في مسلكه، وعزت جناحه بما لم يستقل مجاذبته من شركه، فسارت الراية الناصرية نصرها الله:[من الكامل]
واقمت بعد وللزمانِ عَجَائِبٌ … منها ترحل مهجتي ومقامي
ويعزّ عليه أن لا يتطوف بربعه، ولا يرى الديار إلا بسمعه، ورضى بما يرضي الرضي بساكن سلعه.