للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سيَّانَ عندي وأمري صَارَ في يَدِهِ … قَضَى عليَّ (١) بجورٍ أَمْ عليَّ قَضَى

حتَّامَ أُنْهِضُ جَدِّي وهو يعثر بي … أخاف أن لا يراني الجَدُّ إن نهضا

وقوله (٢): [من الكامل]

ومليحة الحركات إنْ رَفَلَتْ … في الحَيّ شاعف (٣) عِقْدَها القُرْط

نَمَّ المروط بجسمها فبدا … والشمس ليس يكنها مِرْط

فَتَحَ الصبا في صَحْنِ وَجْنَتِها … وَرْدًا يضاعفُ حُسْنَهُ اللَّغط

قالَتْ وقَدْ وَلَّتْ لت حمُولُهُمُ … والعِيشُ فوق جفوننا تخطو (٤):

كان الشباب الغضُّ يجمعنا فمضى … وشتّت شملنا الوَخْطُ

غَدَرَ الأحبّة والشباب معًا … فكأننا لم نصطحبْ قَطَّ

وقوله (٥): [من الكامل]

في القلبِ مِنْ حَرِّ الفراق شُوَاظٌ … والدمع قدْ شَرِقَتْ بهِ الألحاظ

وَلَقَدْ حفظتُ عهودكم وغَدَرتُمُ … شتّان غدر في الهوى وحفاظ

اللهِ أَيُّ مَوَاقِفٍ رقَتْ لنا … فيها الرسائل والقلوب غلاظ

ومرى العتاب جفوننا فَتَناسَبتْ … تلك المدامع فيه والألفاظ

يا دار ما للركب حين وقوفنا (٦) … ما إنْ سَقَاكِ مِنَ الدموع لماظ

تَرَكَ الغرام عقولَهُم مَشْدُوهةٌ (٧) … فظننتُمْ رَقَدُوا وَهُمْ أَيْقاظ

عهدي بظلكِ والشباب يزينُهُ … أيام ربعك للحسان «عكاظ»

فبالله ما أسرى هذه البدائع؟ وما أسرع تدفّق هذه البدائه؟ وبالله هذا الشاعر لقد ركب هذه القافية الصعبة، فذللها، وسلك هذه الطريقة الوعرة فسهَّلَها. ولقد حير الأفهام إلى أي هذه المعاني تسارع. ولأيها تفصل، ومِنْ أيها تعجب؟! هذا مع هذا التركيب الشديد الأسر، واللفظ الذي اقتاد آبي هذه القافية وسلسل نطف هذه الأبيات الصافية، وجاء بأبياتها المشيّدة كأنّها العافية. وهذا الذي يتفاوت فيه أقدار القرائح، ويظهر فيه مبلغ العلم، ويعلن به باسم قائله وينفق سوق منشده. وأين مَنْ يقدر على مثل هذا الكلام.


(١) في الأصل: قضى لغيري ولا معنى لها. والتصويب عن الديوان.
(٢) دوانه ص ٢١٧.
(٣) في الديوان: شاغَبَ.
(٤) في الديوان: والعيش فوق جفونها تخطو.
(٥) الديوان ص ٢١٧.
(٦) في الديوان: وقفتم.
(٧) في الديوان: مدهوشةً.

<<  <  ج: ص:  >  >>