هذا النوع من الحيوان مختص بخفّة البدن وفقد أعضاء كثيرة توجد في غيره من الحيوانات، والحكمة في ذلك أنّ اللّه تعالى لمّا خلق أنواع الحيوان، وجعل بعضها عدوّا لبعض أعطى كلّ نوع إمّا قوّة وسلاحا يدفع عدوّه بهما كما الدوابّ والسباع، أو آلة للهرب كما للوحش والطير، أمّا الوحوش فقوائمها، وأمّا الطيور فأجنحتها، ثم هذه الآلة اقتضت خفّة الجثة، إذ لو كانت الجثة كبيرة تستدعي جناحا كثيرا لم يجعل معها سرعة الطيران، بل كان يكون طيرانا بطيئا لا يزيد على سرعة المشي، فلا يحصل الغرض المطلوب.
ومن العجائب طيران الطير في الهواء ولا يسقط مع أنه أثقل من الهواء كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى اَلطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ اَلسَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اَللّهُ﴾ (١)، فنوع الطير فقد آلات كثيرة وجدت في غير هذا النوع كالأسنان والأذان والكرش والمثانة وخرزات الظهر والجلد الثخين والصوف والشعر، فإن الطير نسبة (٢) قدّامه إلى أسفله كنسبة يمينه إلى يساره، فكلّ طائر طويل الرقبة يكون طويل الرجلين، وما قصرت رقبته قصرت رجلاه، ولو قطع ذنبه لمال إلى قدّام كالسفينة التي خفّ كوثلها.
قال الجاحظ:(٣) كلّ طائر جيّد الطيران يكون ضعيف الرجلين كالعصفور والزرزور والخطاف، وإذا قطعت رجلاه لا يقدر على الطيران السريع، كالإنسان إذا قطعت يداه لا يقدر على العدو الشديد، وكل حيوان لا أذن له فهو يبيض، وكل طائر يغبّ الماء فهو يزق فراخه.
ومن الطيور ما أعطي العجب في لونه كالطاووس والببغاء وأبي براقش، ومنها ما أعطي في خلقته كالحمام، ومنها ما أعطي في حنجرته، ومنها ما أعطي في أعضائه كاللقلق والكركي والنعامة، ومنها ما أعطي في صنعته كالقنبر والخطاف والتدرج (٤) وسيأتي شرح ذلك عند ذكرها إن شاء اللّه تعالى، ونذكر بعض ما يتعلق
(١) الآية/ ٧٩ سورة النحل. (٢) في الأصل: يشبه، تصحيف. (٣) الحيوان ٥/ ٢٢٠. والكلام مختصر عنه. (٤) في الأصل: التنولح، تحريف.