للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وبدأت به إذ كان صالحا فيهما ليتمّ غرض المفردات التي لا يستغنى عن معرفتها، وصورة ما أمكن من المفردات خلا الحيوان بصفتها، وتركت الحيوان لمناهي الشريعة الشريفة، ولم أقصد بما أثبتّ إلاّ إعلام الواقف عليها وتعريفه، وجعلته مرتبا في كلّ صنف من الحيوان على اختلافه، ثمّ النبات والمعدن على الحروف، ليسهل عليه الوقوف، إلا ما ابتدأت به من تقديم الخيل وما بعدها لشرفها، ليصعد الناظر في معرفتها أعلى غرفها، وقد راجعت رأي الحكيم الفاضل أبي الفتح السامري، ورأي أوحد أهل المعرفة عثمان العشاب في هذا الترتيب في التخصيص والاشتراك، وزجرت لها مطيّي وأرسلتها العراك، وباللّه استعين ومنه أستمد التوفيق.

وهذا أوان الشروع فأقول: أما المشترك المقدّم ذكره فمنه الدوابّ. هذا النوع أحسن البهائم صورة وأكثرها نفعا، ولمّا كان الإنسان لطيف البدن بطيء المشي كثير العدو من جنسه وغير جنسه اقتضت الحكمة الإلهية خلق هذا النوع من الحيوان للإنسان، ثم هداه إلى تذليلها وتصريفها تحته في إنجاح (١) مقاصده ليقوم له مقام الجناح للطائر والقوائم للدواب فقال تعالى: ﴿وَاَلْخَيْلَ وَاَلْبِغالَ وَاَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ (٢).

ولما كان الفرس أذكى حسّا من الحمار خلقت أذنه أصغر وذنبه أطول، لأنّ الفرس يكفيه لصفاء ذهنه دون ما يكفي الحمار، ولذلك خلق ذنبه أطول لأن إحساس الخيل أطول من إحساس (٣) الحمير فتتضرّر بقصر أذنابها من لذع الهوام فاحتاجت إلى مذبّة طويلة الطاقات.

ولمّا كان المطلوب من الدوابّ السير؛ صرفت العناية إلى تصليب (٤) حوافرها ليمكن المشي الكثير عليها، وليكون سلاحا دافعا للعدوّ، فإنّ كلّ حيوان له حافر لا قرن له؛ لأنّ المادة لا تنهض بهما جميعا، والحيوان الذي له قرن له ظلف، لأنّ المادة انصرف بعضها إلى القرن وبعضها إلى الظلف لتتمّ بهما حاجة المشي والسلاح، فسبحان من أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى من غير زيادة ولا نقصان (٥).

[١ - فرس]

أمّا الخيل فهو أحسن الحيوانات بعد الإنسان صورة، وأشدّ الدواب عدوا وذكاء، وله خصال محمودة وأخلاق مرضية، من ذلك حسن صورته وتناسب أجزائه وأعضائه


(١) في الأصل: تحت في أنحاء، والتصحيح عن عجائب المخلوقات/ ٣٩٩، والكلام فيه.
(٢) الآية/ ٨ سورة النحل.
(٣) في الأصل: أجناس في الموضعين.
(٤) في الأصل: تصريف.
(٥) عجائب المخلوقات/ ٤٠٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>