وإذ انتهينا في الحيوان الناطق في الجانبين إلى هذا الحدّ، وقذف بنا فيض بحره في هذا المدّ ولم نشغل النظر بالأجسام عن النفوس، ولا خلطنا الذّنابى (١) بالرؤوس، ظنّا بالجواهر أن تخالط الحصباء، أو نحطب بكيل الحطب والكيّاء (٢)، فلنذكر ما عني الأطباء المهرة به من بقيّة الحيوان، ولا نفوّت اسما منه في عرض هذا الديوان، ونتبعه بالنبات والمعدن على ما ذكروه، ونقلّدهم الرأي فيما ذمّوه منها وما شكروه، على ما تضمّنته أقوالهم فيها من المنافع والمضار، وحسبما أمكنّا من المراجعة والاستحضار، واعتمدنا فيه على الجامع (٣) تأليف أبي محمد عبد اللّه بن أحمد المعروف بابن البيطار المالقي العشّاب (٤)، إذ كان في ذلك أوحد العلماء، والجامع لأقوال المحدثين والقدماء، وعليه الآن جادة الأطباء في النظر في طبائع المفردات، لا يتّخذون سواه وليجة، ولا يردون إلاّ بحره وخليجه، ونظرت فيما ذكره من الحيوان والنبات والمعدن، فما وجدته خاصّا بجانب، إمّا لأنّه لا يوجد إلاّ به، أو لأنّه الغالب عليه على قسم أخيه أفردته لذلك الجانب، واخترت من القول فيه المناسب، وما كان مشتركا خطّ الجانبين فيه سواء بلا مخصص، ولا اعتراض فيه لأقوال (٥) مغصّص، فإنني أفردته
(١) في الأصل: الرباني، والتصحيح اجتهادا. (٢) الكياء: هذا اللفظ ورد رسمه هكذا بالأصل، وقواميس اللغة تفسره بالضعيف، ونخشى أن يكون مصحفا عن الكتاء الذي هو نبات كالجرجير، أو الكثاء من كثأ النبت إذا طلع أو كثف وغلظ وطال والتفّ. (٣) هو الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، وقد طبع هذا الكتاب. (٤) ابن البيطار: إمام النباتيين وعلماء الأعشاب، مولده في مالقة، تعلم الطب، ورحل إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم باحثا عن الأعشاب والعارفين بها، وكان حجة في معرفة أنواع النبات وتحقيقه وصفاته وأسمائه وأماكنه، واشتهر شهرة عظيمة، توفي سنة ٦٤٦ هـ. ينظر عنه: طبقات الأطباء ١٣٣/ ٢، ونفح الطيب ٢/ ٦٨٣. (٥) في الأصل: الأقوال.