ويظهر أن العراقي قد اتخذ لنفسه في هذه الفترة منزلا خاصا بالقاهرة، بعد أن كان قبل سفره إلى المدينة مقيما بالخانقاه «الطغيتمرية» بظاهر القاهرة بالصحراء كما قدمنا، وإلى هذا يشير قول تلميذيه «ابن حجر والعيني» وغيرهما: «أنه بعد عودته من المدينة سكن القاهرة (١)» ثم حدد ابن حجر والسخاوي مكان المنزل حيث ذكرا أنه لما عزم ابن حجر على طلب الحديث في سنة ٧٩٦ هـ اتجه إلى شيخه العراقي بمنزله بجزيرة «الفيل» على شاطئ النيل، وتتلمذ له به، كما سنفصله (٢).
وإذا كان قد ثبت لنا أن العراقي في المرحلتين السابقتين كان رائدا لمدرسة السنة داخل مصر وخارجها، وأستاذا لجيل المحدثين وصفوتهم من بعده، فإن تلاميذ العراقي ومؤرخيه، قد اتفقوا على أن تلك المرحلة الأخيرة، هي أكمل المراحل وأخصبها عطاء حيث كان في قمة نضجه العلمي، واستقر بالقاهرة، دون أسفار، أو رحلات، وتمحضت أوقاته للعطاء العلمي، فلم يكن مشغولا بالتلمذة على غيره، ولو لبعض الوقت كما في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، ولا مشغولا بمسئوليات القضاء، كما في مرحلة عمله السابقة بالمدينة، وفي
(١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦ و (عقد الجمان) جـ ٢٥/ قسم ٢ وفيات سنة ٨٠٦ هـ و (شذرات الذهب) جـ ٧/ ٥٥. (٢) و (المجمع المؤسس) / ١٧٩ و (الجواهر والدرر) / ١٩ أ، والجزيرة المذكورة هي حاليه المنطقة الواقع فيها قسما شرطة روض الفرج وشبرا بالقاهرة قريبا من حي «جزيرة سيدي بدران» المعروفة، وكانت في عصر العراقي من ضواحي القاهرة الحديثة العمران، والحافلة بالبساتين الجميلة المثمرة، وبالأسواق، وحولها يجري النيل، وبها يسكن كثير من العلماء غير العراقي (انظر «خطط المقريزي» جـ ٢/ ١٨٥، ١٨٦ و «النجوم الزاهرة» جـ ٧/ ٣٠٩ أصل وهامش و جـ ١٠/ ١٣٠ أصل وهامش.