حكاها، لم يذكر فيها الرُّكوع والسُّجود الذي أوْهَمَ السياقُ المذكور أنّ الإيماء المذكور هو بهما، بل تحتمل القصَّةُ المَحْكيّة غير ذلك، فلنوردها بلفظها:
قال مسلم (١): حدثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المُصْطَلِقِ، فأتيته وهو يصلي على بعيره، فكلمته، فقال لي بيده هكذا ـ وأومأ زهير بيمينه (٢)، ثم كلمته، فقال لي هكذا - فأوْماً زهير أيضًا بيده نحو الأرض، وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه، فلما فرغ قال:«ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يَمْنَعْنِي أَنْ أُكَلِّمْكَ إِلَّا أَنِّي كنتُ أصلي؟».
هذا نص حديث جابر، وقوله فيه:«يومئ برأسه»، إنّما هو في حال القراءة، فكيف يجوز أن يُجعل طرفًا من أطراف حديث ابن عمر، في أنّ الركوع والسجود يوماً بهما، على أنه يحتمل عندي أن لا يكون أبو محمّدٍ أراد بإردافه حديث ابن عمر إلا بيان أنه كان في حال قراءته يومئ برأسه.
وأما حديث أبي داود (٣)، فنصه عنده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:«بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، والسُّجود أخفَضُ من الركوع».
وأما الدرك الثاني: فهو إيراده حديث جابر مصححا له، مُعْرِضًا عن النظر في إسناده لما كان من عند مسلم، وهو مما لم يذكر فيه أبو الزبير سماعًا من جابر، ولا هو من رواية الليث عنه (٤)، وسترى له إباية (٥) مثل هذا، ووقوعه أيضًا في أمثاله من
(١) تقدم تخريجه من عنده أثناء تخريج الحديث الذي صدر ذكره. (٢) في صحيح مسلم: «بيده». (٣) تقدم تخريجه من عنده أثناء تخريج الحديث الذي صدر ذكره. (٤) أبو الزبير المكي، محمد بن مسلم بن تَدْرُس، وثقه ابن معين وابن المديني والنسائي، وضعفه غيرهم، وذكر عنه آخرون أنه مشهور بالتدليس، كما في تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٠٢) ترجمة رقم: (٥٦٠٢)، واستخلص الحافظ ابن حجر من هذا كله ترجمة له كما في تقريب التهذيب (ص ٥٠٦) ترجمة رقم: (٦٢٩١)، فقال: «صدوق إلا أنه يُدلّس»، ولكنه صرح بالسماع من جابر في روايته لهذا الحديث عند الإمام أحمد في مسنده (٢٢/ ٦١) الحديث رقم: (١٤١٥٦)، فانتفت شبهة تدليسه. (٥) كذا في النسخة الخطية: «إباية» مضبوطة مجودة ومصححا عليها، ومثل ذلك في بيان الوهم والإيهام (٢/ ١٦٨)، وهي صحيحة، يقال: أبيتُ الشيءَ إباءً وإبايةً: كرهه وامتنع عنه. ينظر: