فَقَالَ مُعَادٌ: وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا يَا أَبَتَاهُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُبَايِعَهُ، فَقَوْمُكَ جَمِيعًا قَدْ بَايَعُوهُ … سَكَتَ الشَّيْخُ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ:
لَسْتُ فَاعِلًا حَتَّى أَسْتَشِيرَ "مَنَاةَ" فَأَنْظُرَ مَا يَقُولُ. فَقَالَ لَهُ الْفَتَى:
وَمَا عَسَى أَنْ يَقُولَ "مَنَاةُ" يَا أَبَتَاهُ، وَهُوَ خَشَبٌ أَصَمُّ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَنْطِقُ.
فَقَالَ الشَّيْخُ -فِي حِدَّة-: قُلْتُ لَكَ: لَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا دُونَهُ (١).
* * *
ثُمَّ قَامَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى "مَنَاةَ" -وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُكَلِّمُوهُ جَعَلُوا خَلْفَهُ امْرَأَةً عَجُوزًا، فَتُجِيبُ عَنْهُ بِمَا يُلْهِمُهَا إِيَّاهُ -فِي زَعْمِهِمْ-، ثُمَّ وَقَفَ أَمَامَهُ بِقَامَتِهِ الْمَمْدُودَةِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى رِجْلِهِ الصَّحِيحَةِ، فَقَدْ كَانَتِ الْأُخْرَى عَرْجَاءَ شَدِيدَةَ الْعَرَجِ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ أَطْيَبَ الثَّنَاءِ، ثُمَّ قَالَ:
يَا "مَنَاةُ" لَا رَيْبَ أَنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ بِأَنَّ هَذَا الدَّاعِيَةَ الَّذِي وَفَدَ عَلَيْنَا مِنْ مَكَّةَ لَا يُرِيدُ أَحَدًا بِسُوءٍ سِوَاكَ … وَأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيَنْهَانَا عَنْ عِبَادَتِكَ …
وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ أُبَايِعَهُ -عَلَى الرَّغْمِ مِمَّا سَمِعْتُهُ مِنْ جَمِيلِ قَوْلِهِ- حَتَّى أَسْتَشِيرَكَ، فَأَشِرْ عَلَيَّ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ "مَنَاةُ" بِشَيْءٍ.
فَقَالَ: لَعَلَّكَ قَدْ غَضِبْتَ … وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْ شَيْئًا يُؤْذِيكَ بَعْدُ …
وَلَكِنْ لَا بَأْسَ، فَسَأَتْرُكُكَ أَيَّامًا حَتَّى يَسْكُتَ عَنْكَ الْغَضَبُ.
* * *
كَانَ أَبْنَاءُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ يَعْرِفُونَ مَدَى تَعَلَّقِ أَبِيهِمْ بِصَنَمِهِ "مَنَاةَ"، وَكَيْفَ أَنَّهُ غَدَا مَعَ الزَّمَنِ قِطْعَةً مِنْهُ، وَلَكِنَّهُمْ أَدْرَكُوا أَنَّهُ بَدَأَتْ تَتَزَعْزَعُ مَكَانَتُهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَزِعُوهُ مِنْ نَفْسِهِ انْتِرَاعًا، فَذَلِكَ سَبِيلُهُ إِلَى الْإِيمَانِ.
* * *
أَدْلَجَ (٢) أَبْنَاءُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ مَعَ صَدِيقِهِمْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِلَى "مَنَاةَ"
(١) لن أقطع أمرًا دونه: لن أحسم أمرًا بدون الرجوع إليه.
(٢) أدلج: سار ليلًا.