وَأَمَّا نِصْفُ الرَّجُلِ، فَهُوَ الَّذِي يُكَمِّلُ اللَّهُ لَهُ دِينَهُ وَعَقْلَهُ …
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ أَمْرًا لَمْ يَسْتَشِرْ فِيهِ أَحَدًا، وَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَتْبَعُهُ وَأَتْرُكُ رَأْيِي لِرَأْيِهِ؟ فَيُصِيبُ وَيُخْطِئُ.
وَأَمَّا الَّذِي لَا شَيْءٍ، فَهُوَ مَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا عَقْلَ؛ فَلَا يَزَالُ مُخْطِئًا مُدْبِرًا …
واللهِ إِنِّي لأَسْتَشِيرُ فِي الأَثر على خَدَمِي.
* * *
وَلَمَّا مَرِضَ عَمْرُو بْن الْعَاصِ مَرْضَ الْمَوْتِ وَأَحَسَّ بِدُنُوِّ الأَجَلِ (١) غَلَبَتْهُ الْعَبْرَةُ (٢)، وَقَالَ لابْنِهِ:
كُنْتُ عَلَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ عَرَفْتُ نَفْسِي فِيهَا …
كُنْتُ أَوَّلَ شَيْءٍ كَافِرًا؛ فَلَوْ مِتُّ حِينَئِذٍ لَوَجَبَتْ لِيَ النَّارُ …
فَلَمَّا بَايَعْتُ الرَّسُولَ ﵊؛ كُنْتُ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءٌ مِنْهُ.
حَتَّى إِنِّي مَا مَلأْتُ عَيْنَيَّ مِنْهُ قَطُّ؛ فَلَوْ مِتُّ حِينَئِذٍ لَقَالَ النَّاسُ:
هَنِيئًا لِعَمْرِو أَسْلَمَ عَلَى خَيْرٍ، وَمَاتَ عَلَى خَيْرٍ …
ثُمَّ تَلَبَّسْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ؛ فَلَا أَدْرِي أَعَلَيَّ أمْ لِي؟.
ثُمَّ أَدَارَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ أَمَرْتَنَا فَعَصَيْنَا …
وَنَهَيْتَنَا فَمَا انْتَهَيْنَا …
(١) الأجَل: الوفاة.
(٢) الْعَبْرَةُ: الدّمعة.