ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأَى قَوَائِمَ فَرَسِهِ تَسِيخُ (١) فِي الْأَرْضِ، وَالدُّخَانُ يَتَصَاعَدُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا، وَيُغَطّي عَيْنَيْهِ وَعَيْنَيْهَا …
فَدَفَعَ الْفَرَسَ فَإِذَا هِيَ قَدْ رَسَخَتْ (٢) فِي الْأَرْضِ كَأَنَّمَا سُمِّرَتْ فِيهَا بِمَسَامِيرَ مِنْ حَدِيدٍ.
فَالْتَفَتَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَصَاحِبِهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ ضَارِعٍ:
يَا هَذَانِ ادْعُوَا لِي رَبَّكُمَا أَنْ يُطْلِقَ قَوَائِمَ فَرَسِي …
وَلَكُما عَلَى أَنْ أَكُفَّ عَنْكُما.
فَدَعَا لَهُ الرَّسُولُ ﷺ، فَأَطْلَقَ اللَّهُ لَهُ قَوَائِمَ فَرَسِهِ …
لَكِنَّ أَطْمَاعَهُ مَا لَبِثَتْ أَنْ تَحَرَّكَتْ مِنْ جَدِيدٍ، فَدَفَعَ فَرَسَهُ نَحْوَهُمَا فَسَاخَتْ قَوَائِمُهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ أَكْثَرَ مِنْ ذِي قَبْلُ.
فَاسْتَغَاثَ بِهِمَا، وَقَالَ: إِلَيْكُمَا زَادِي وَمَتَاعِي وَسِلَاحِي فَخُذَاهُ، وَلَكُمَا عَلَى عَهْدُ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا مَنْ وَرَائِي مِنَ النَّاسِ …
فَقَالَا لَهُ: لَا حَاجَةَ لَنَا بِزَادِكَ وَمَتَاعِكَ، وَلَكِنْ رُدَّ عَنَّا النَّاسَ …
ثُمَّ دَعَا لَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَانْطَلَقَتْ فَرَسُهُ.
فَلَمَّا هَمَّ بِالْعَوْدَةِ، نَادَاهُمْ قَائِلًا:
تَرَيّثَّوا أُكَلِّمْكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ.
فَقَالَا لَهُ: مَا تَبْتَغِي مِنَّا؟!.
فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ دِينُكَ، وَيَعْلُو أَمْرُكَ فَعَاهِدْنِي
(١) تسيخُ فِي الْأَرْضِ: تغوصُ فِي الأرض.
(٢) رَسَخَتْ فِي الأَرْضِ: ثبَتَتْ فِي الْأَرْضِ.