فَأَقْبَلَ الْفَارُوقُ عَلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ وَأَخَذَ بِتَلَابِيبِهِ (١)، وَطَوَّقَ عُنُقَهُ بِحِمَالَةِ (٢) سَيْفِهِ، وَمَضَى بِهِ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﵊ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؛ قَالَ لِعُمَرَ:
(أَطْلِقْهُ يَا عُمَرُ، فَأَطْلَقَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (اسْتَأْخِرْ عَنْهُ)، فَتَأَخَّرَ عَنْهُ.
ثُمَّ تَوَجَّهَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ وَقَالَ: (ادْنُ يَا عُمَيْرُ)، فَدَنَا وَقَالَ: أَنْعِمْ صَبَاحًا [وَهِيَ تَحِيَّةُ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ].
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِتَحِيَّةٍ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتِكَ يَا عُمَيْرُ … لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالسَّلَامِ، وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ).
فَقَالَ عُمَيْرٌ: وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِبَعِيدٍ عَنْ تَحِيَّتِنَا، وَإِنَّكَ بِهَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ.
فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﵊:
(وَمَا الَّذِي جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟!).
قَالَ: جِئْتُ أَرْجُو فَكَاكَ هَذَا الْأَسِيرِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ، فَأَحْسِنُوا إِلَيَّ فِيهِ.
قَالَ: (فَمَا بَالُ (٣) السَّيْفِ الَّذِي فِي عُنُقِكَ؟!).
قَالَ عُمَيْرٌ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ …
وَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا يَوْمَ بَدْرٍ"؟!!.
قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: (اُصْدُقْنِي، مَا الَّذِي جِئْتَ لَهُ يَا عُمَيْرُ؟).
قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَاكَ.
قَالَ ﵇: (بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ عِنْدَ الْحِجْرِ، فَتَذَاكَرْتُمَا أَصْحَابَ "الْقَلِيبِ" مِنْ صَرْعَى قُرَيْشٍ ثُمَّ قُلْتَ: لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ
(١) أخذ بتلابيبه: أَمْسَكَه من طوق ثَوْبِهِ مسكةَ متمكِّنٍ.
(٢) حِمالة السّيف: ما يعلق به.
(٣) ما بال السيف: ما خَبُر السّيف.