الْمُسْلِمِينَ، فَازْدَادَ بِذَلِكَ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
* * *
سَبَرَ (١) الرَّسُولُ صَلَوَاتِ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ غَوْرَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَتَجَلَّتْ لَهُ فِيهِ خِلَالٌ ثَلَاثٌ: ذَكَاءٌ فَذٌّ يُسْعِفُهُ فِي حَلِّ الْمُعْضِلَاتِ …
وَبَدِيهَةٌ (٢) مُطَاوِعَةٌ تُلَبِّيهِ كُلَّمَا دَعَاهَا …
وَكِتْمَانٌ لِلسِّرِّ فَلَا يَنْفُذُ إِلَى غَيْرِهِ أَحَدٌ.
وَكَانَتْ سِيَاسَةُ الرَّسُولِ ﵊ تَقُومُ عَلَى اكْتِشَافِ مَزَايَا أَصْحَابِهِ؛ وَالْإِفَادَةِ مِنْ طَاقَاتِهِمُ الْكَامِنَةِ فِي ذَوَاتِهِمْ، وَذَلِكَ بِوَضْعِ الرَّجُلِ الْمُنَاسِبِ فِي الْمَكَانِ الْمُنَاسِبِ.
وَكَانَتْ أَكْبَرُ مُشْكِلَةٍ تُوَاجِهُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ هِيَ وُجُودَ الْمُنَافِقِينَ (٣) مِنَ الْيَهُودِ وَأَشْيَاعِهِمْ (٤)، وَمَا يَحِيكُونَهُ لِلنَّبِيِّ ﵊ وَأَصْحَابِهِ مِنْ مَكَائِدَ وَدَسَائِسَ.
فَأَفْضَى (٥) النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ - وَهُوَ سِرٌّ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ - وَعَهِدَ إِلَيْهِ بِرَصْدِ حَرَكَاتِهِمْ، وَتَتَبُّعِ نَشَاطِهِمْ، وَدَرْءِ خَطَرِهِمْ (٦) عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ … وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ دُعِيَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ "بِصَاحِبِ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وَقَدِ اسْتَعَانَ الرَّسُولُ ﵊ بِمَوَاهِبِ حُذَيْفَةَ فِي مَوْقِفٍ مِنْ أَشَدِّ الْمَوَاقِفِ خَطَرًا، وَأَحْوَجِهَا إِلَى الذَّكَاءِ الْفَذِّ وَالْبَدِيهَةِ الْمُطَاوِعَةِ، وَذَلِكَ فِي ذُرْوَةِ غَزْوَةِ "الْخَنْدَقِ" (٧) … حَيْثُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ أَحَاطَ بِهِمُ الْعَدُوُّ مِنْ
(١) سبر غوره: نفذ إلى أعماقه واختبره.(٢) البديهة: سُرعة الفهم لأول وهلة.(٣) المنافق: هو من ستر الكفر بقلبه وأظهر الإيمان بلسانه.(٤) أشياعهم: أنصارهم.(٥) أفْضى النّبي لحذيفة: أسرَّ إليه وخبَّره.(٦) دَرْء خطرهم: دفع خطرهم.(٧) غزوة الخندق: كانت سنة ٥ للهجرة وهي غزوة الأحزاب.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute