كَانَ يَرَاهُ فِي حُلُمِهِ إِذَا نَامَ، وَيَرَاهُ بِخَيَالِهِ وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ، وَيَمْثُلُ أَمَامَهُ وَهُوَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ الْهَادِئَتَيْنِ الْمُطْمَئِنَّتَيْنِ أَمَامَ خَشَبَةِ الصَّلْبِ، وَيَسْمَعُ رَنِينَ صَوْتِهِ فِي أُذُنَيْهِ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى قُرَيْشٍ، فَيَخْشَى أَنْ تَصْعَقَهُ صَاعِقَةٌ؛ أَوْ تَخِرَّ عَلَيْهِ صَخْرَةٌ مِنَ السَّمَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ خُبَيْبًا عَلَّمَ سَعِيدًا مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ قَبْلُ …
عَلَّمَهُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْحَقَّةَ عَقِيدَةٌ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ الْعَقِيدَةِ حَتَّى الْمَوْتِ.
وَعَلَّمَهُ أَيْضًا أَنَّ الْإِيمَانَ الرَّاسِخَ يَفْعَلُ الْأَعَاجِيبَ، وَيَصْنَعُ الْمُعْجِزَاتِ.
وَعَلَّمَهُ أَمْرًا آخَرَ، هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُحِبُّهُ أَصْحَابُهُ كُلَّ هَذَا الْحُبِّ إِنَّمَا هُوَ نَبِيٌّ مُؤَيَّدٌ مِنَ السَّمَاءِ.
عِنْدَ ذَلِكَ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَامَ فِي مَلأٍ (١) مِنَ النَّاسِ، وَأَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ مِنْ آثَامِ قُرَيْشٍ وَأَوْزَارِهَا، وَخَلْعَهُ لِأَصْنَامِهَا وَأَوْثَانِهَا وَدُخُولَهُ فِي دِينِ الله.
* * *
هَاجَرَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَشَهِدَ مَعَهُ "خَيْبَرَ" وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْغَزَوَاتِ.
وَلَمَّا انْتَقَلَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ إِلَى جِوَارِ رَبِّهِ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُ، ظَلَّ مِنْ بَعْدِهِ سَيْفًا مَسْلُولًا فِي أَيْدِي خَلِيفَتَيْهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعَاشَ مَثَلًا فَرِيدًا فَذًّا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي اشْتَرَى الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا، وَآثَرَ (٢) مَرْضَاةَ اللَّهِ وَثَوَابَهُ عَلَى سَائِرِ رَغَبَاتِ النَّفْسِ، وَشَهَوَاتِ الْجَسَدِ.
وَكَانَ خَلِيفَتَا رَسُولِ اللهِ ﷺ يَعْرِفَانِ لِسَعِيدِ بْن عَامِرٍ صِدْقَهُ وَتَقْوَاهُ،
(١) ملإ من النَّاسِ: جموعٍ مِنَ النَّاسِ.(٢) آثر: اختار وفضل.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute