وقوله تعالى:{فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أي: فله ثوابُ عملِه في الآخرة عند اللَّه، وهو موحَّدٌ؛ لرجوعه إلى كلمة {مِنَ}، ثمَّ قال:{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على الجمعِ؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ، والمراد به الجمع، فرجعت الكنايةُ في الآخر (١) إلى المعنى، ومعناهُ: فلهم ثوابُ الإيمان والأعمال الصَّالحة عند ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم فيما يَستقبِلُهم مِنَ العذاب، ولا هم يَحزنون على ما خَلَّفوا من الدُّنيا، وله معانٍ أُخَرُ ذكرناها فيما مرَّ.
وقوله تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} نزلَت الآيةُ في شأن يهودِ المدينة ونصارى بني نجران، اختصَموا عند النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت اليهودُ للنَّصارى: ما أنتم على شيءٍ، وجَحدوا حَقِّيَّة عيسى والإنجيل، وقالت النَّصارى لليهود: ما أنتم على شيءٍ، وجَحدوا حقِّيَّة موسى والتَّوراة، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٢).
وانتظامُ هذه الآية بما قبلَها: أنَّ في الآيةِ الأولى ذكرَ مقالةِ الفريقين في حقِّ غيرهم، وذكرَ في هذه الآية مقالةَ كلِّ فريق منهما للآخر.
وقوله:{عَلَى شَيْءٍ} أي: من الدِّين الحقِّ، وهو كقوله:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}[المائدة: ٦٨].
(١) في (ر) و (ف): "الأجر". (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٣٥) عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما.